لا يحتوي نهج البلاغة جميع ما قاله أمير المؤمنين من حكم ، وما قاله من خطب ، وما كتبه من رسائل وأوامر ، وإنما هو مختارات من ذلك قام الشريف الرضي رحمه الله باختيارها من بين عدد كبير من خطب الإمام وكلماته ورسائله . اختار من ذلك التراث الضخم ٢٤١ خطبة ٧٩ رسالة و٤٨٠ حكمة من حكمه القصار. وكانت الغاية من عمل الشريف الرضي كما حددها أن يجمع من كلمات الإمام ما يكون طريق لرواد البلاغة والفصاحة والأدب العربي وذلك أن جماعة من أصحابه (سألوني عند ذلك أن أبدأ بتأليف كتاب يحتوي على مختار كلام مولانا أمير المؤمنين عليه السلام في جميع فنونه ، ومتشعبات غصونه ، من خطب وكتب ومواعظ وآداب علما أن ذلك يتضمن عجائب البلاغة وغرائب الفصاحة
وجواهر العربية وثواقب الكلم الدينية والدنيوية ما لا يوجد مجتمعا في كلام ولا مجموع الأطراف في كتاب . إذ كان أمير المؤمنين عليه السلام مشرع الفصاحة وموردها ومنشأ البلاغة ومولدها . ومنه عليه السلام ظهر مكنونها . وعنه أخذت قوانينها . وعلى أمثلته حذا كل قائل خطيب وبكلامه استعان كل واعظ بليغ . ومع ذلك فقد سبق وقصروا . وتقدم وتأخروا . لأن كلامه عليه السلام الكلام الذي عليه مسحة من العلم الإلهي وفيه عبقة من الكلام النبوي . فأجبتهم إلى الابتداء بذلك عالما بما فيه من عظيم النفع ومنشور الذكر ومذخور الأجر ) . ومنذ أن جمع هذا الكتاب حتى الآن حيث يمر على وفاة جامعه سنة ( ٤٠٤ هـ ) حتى الآن قرابة عشرة قرون وربع القرن ..
صار هذا الكتاب محط لعناية العلماء وبحث المحققين على اختلاف مشاربهم , فقد شرحه بعض علماء أهل السنة وشرحه الكثير من علماء الشيعة ,في شروح بعضها لغوي يهتم بتوضيح اللفظ ، وبعضها الآخر بلاغي ومنها ما يركز على الجوانب الكلامية والعقدية وهكذا . وقد ذكر المحقق الطهراني في كتابه الذريعة أسماء مؤلفي ( ١٤٩ ) شرحا للنهج ، بين شرح كامل لكل الكتاب وآخر يقتصر على بعض الخطب أو الرسائل .. وبعض هؤلاء المؤلفين له عدة شروح على الكتاب فالشيخ ميثم بن علي البحراني نقل أن لديه ثلاثة شروح عليه : صغير ومتوسط وكبير . ما هو السر الذي يجعل هذا الكتاب مهما إلى هذه الدرجة ؟ لماذا ينبغي أن يعتنى به ؟ ولماذا يجب على على شباب الأمة أن
يطلعوا عليه ؟ ويتدبروا فيه؟ لكي نمهد لذلك ننقل كلمة لأحد رواد الإصلاح في العالم الإسلامي وهو أحد شراح النهج أيضا ، هو الشيخ محمد عبده ، فقد ذكر في مقدمته لشرحه اللغوي للنهج ، قائلا : وفى لي حكم القدر بالاطلاع على كتاب ( نهج البلاغة ) مصادفة بلا تعمل . أصبته على تغير حال وتبلبل بال ، وتزاحم أشغال ، وعطلة من أعمال . فحسبته تسلية ، وحيلة للتخلية فتصفحت بعض صفحاته ، وتأملت جملا من عباراته . من مواضع مختلفات ، وموضوعات متفرقات . فكان يخيل إلي في كل مقام أن حروبا شنت وغارات شنت وأن للبلاغة دولة ، وللفصاحة صولة . وأن للأوهام عرامة وللريب دعارة . وأن جحافل الخطابة ، وكتائب الذرابة ، في عقود
النظام وصفوف الانتظام ، تنافح بالصفيح الأبلج والقويم الأملج . وتمتلج المهج برواضع الحجج . فتفل من دعارة الوساوس وتصيب مقاتل الخوانس . والباطل منكسر ومرج الشك في خمود وهرج الريب في ركود . وأن مدبر تلك الدولة ، وباسل تلك الصولة ، هو حامل لوائها الغالب ، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب . بل كنت كلما انتقلت من موضع إلى موضع أحس بتغير المشاهد . وتحول المعاهد فتارة كنت أجدني في عالم يغمره من المعاني أرواح عالية . في حلل من العبارات الزاهية تطوف على النفوس الزاكية . وتدنو من القلوب الصافية : توحي إليها رشادها . وتقوم منها مرادها . وتنفر بها عن مداحض المزال . إلى جواد الفضل والكمال . وطورا كانت تتكشف لي الجمل عن