والصلاة والسلام على خير المرسلين محمد واله الطيبين الطاهرين ،قال الله تعالى في كتابه العزيز بسم الله الرحمن الرحيم( قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ)(غافر: من الآية٢٩) حديثنا يتناول أثر الاستبداد في تكريس التخلف الثقافي والفكري في الأمة ،نقدم لذلك بمقدمة هي أن هناك ميلاً لدى بعض الفئات في أمتنا العربية والإسلامية الى إلقاء المسؤلية خارج الحدود ، والى تعليق الأسباب على غير ماهو سبب حقيقي لها ، اذا سئلت هذه الفئة لماذا تعيش الأمة هذا التخلف؟ سيكون الجواب سريعاً بسبب الاستعمار . الاستعمار في نظر هؤلاء هو الذي صنع التاخر والتخلف في الأمة ، اسرائيل هي التي شغلت الأمة عن العلم والمعرفة ،بالسلاح ،والحرب فعطلت مسيرتها اتجاه التنمية والتقدم،مؤامرات الاعداء هي التي تمنع
حركة الأمة باتجاه العلو والارتفاع ،كيد الكفار هو الذي يؤخر هذه الأمة وهكذا تسوق لك هذه الفئة أكواما من الأسباب كلها تنتمي الى الخارج وكأن التخلف صناعة خارجية وليس خاضعاً لقوله تعالى( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ )(الرعد: من الآية١١) القرآن الكريم وتجارب الامم تشير الى ان الأمة لا تتآخر الا إذا كان بداخلها مرض يمنعها من التقدم ولا تتخلف إلا إذا أرادت لنفسها ان تتخلف او قبلت بمن يفرض عليها هذا التخلف ، اما الأمة الواعية ، النشطة، التي ترفض القعود والجمود وأفكار التكاسل واليأس هذه أمة لا يضرها كيد استعمار ولا مؤامرة عدو ولا غير ذلك . الأمة في هذه الحالة مثل البدن ,البدن متى يصاب بالحمى والمرض ، عندما يجد الميكروب بدنا
فاقدا للدفاعات وعديم المناعة ينفذ اليه المكروب ويستوطن فيه . اما اذا كان هذا البدن قوي المناعة آنئذ يصطدم الميكروب بجدار من المناعة فينكفئ على عقبه .الأمة التي يوجد فيها وعي لا يمكن للمستعمر ان يصنع فيها شئيا مهما ، والتي تتحمل المسؤولية لا يمكن لمؤامرات الاعداء ان تتحكم في مصيرها فالمشكلة مشكلة داخلية أولاً وبالذات ،ثم بعد ذلك تأتي الأسباب الخارجية كعوامل مساعدة . واذا اريد البدء في تنمية الأمة فلا بد أن نبدأ من الداخل متمثلين قول الله تعالى(ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ..اذا غيرت الأمة ثقافتها وممارستها السياسية و شأنها الاجتماعي بحيث تتحمل المسؤولية آنئذ ـ وليس قبله ـ فإن الله يغير ما بها وما يجري عليها وهذا قانون عام .. (
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الأنفال:٥٣) مع الالتفات للآية ، فإن القرآن لا يقول على قوم مسلمين او عرب او في هذه المنطقة او تلك وإنما يبين أن هذا قانون إلهيٌ وسنة ربانية : ان المجتمع ـ أيا كان ـ إنما يتغير ما به وأوضاعه الخارجية ، إذا تغير ما بداخله من الثقافة و الفكر من الاعتقادات و المنطلقات . لذلك لا ينبغي ان نصدق بأن المشكلة هي في المؤامرات الخارجية بل المشكلة هي بالداخل ، المشكلة هي عندي وعندك وعنده وعندها وعندهم وعندهن . من جملة المؤثرات في بقاء التخلف في الأمة : الاستبداد. الاستبداد شأن داخلي يؤثر في الأمة ، فيكرس فيها التخلف والتآخر والتقهقر
أنظروا الى الآية المباركة التي تقول (قال فرعون ما اريكم الا ما أرى وما اهديكم الا سبيل الرشاد ). ينبغي ملاحظة أن القرآن الكريم يكثر من الحديث عن تجربة بني اسرائيل ولعل جهة ذلك ان التجربة التي خاضها المجتمع الاسرائيلي مع أنبيائه شبيهة بالتجربة التي سيخوضها المجتمع المسلم مع النبوة والامامة فالمكونات الشخصية بين الشعبين متشابهة ، والمنطقة الجغرافية منطقة متقاربة وبالتالي فالمؤثرات العامة مؤثرات متقاربة لذلك يفترض ان أخذ العبر والدروس من هذا المجتمع هو أكثر فائدة من أخذها من بقية المجتمعات . فكان أن قدم القرآن الكريم تجربة المجتمع الاسرائيلي من خلال جهات متعددة .. راجعوا سورة البقرة سوف تجدون حديث مفصلاً عن هذا المجتمع بشكل عام كما تحدث في مواضع أخرى عن تجربة بعض الفئات في هذا