ماذا نسمع يا ربنا؟ قال (سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ) سباق، هذه الأيام إذا قالوا هناك مسابقات، المتبادر إلى الذهن ماذا؟ عادة مسابقات دنيوية، جوائز وسيارات وأموال إلى آخره، حتى التصقت فكرة السباق بهذه الأمور الدنيوية، لا يوجد يعني لنفترض البرنامج الذي يتبادر من ذهنه أن المسابقة هذه معناها الآخرة. الله سبحانه وتعالى هنا عنده مسابقة يقول (سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ)، طبعا المغفرة لها مقدماتها وأدواتها، وإلا المغفرة من طرف الله سبحانه وتعالى، لكن هناك مقدمات إذا طواها الإنسان أصبح من السابقين إلى مغفرة الله، (سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)، بعض المفسرين قالوا لماذا ذكر (العرض) ولم يذكر (الطول)، وأشاروا إلى وجه عادة في البناء يكون العرض أقل من الطول، نادرا ما يكون
العرض أطول وأكبر من الطول، لأن ذاك الوقت ما يصير عرض، فإما بقده يصير مربعا، وإما كما هي العادة أن يكون مستطيلا يعني الطول أكثر من العرض، لذلك جاء هنا بالعرض، قال: (عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ). حدد القرآن الكريم في هذه الآية، وفي سواها من الآيات، أن الدنيا (لَعِبٌ وَلَهْوٌ)، هذه بدايتها، مفتاحها، في أماكن أخرى قصر الله وصفين على هذه الدنيا، وذكرنا آيات تشير إلى هذا المعنى، (اللَعِبٌ) كما ورد في معناه في المعاجم اللغوية الانشغال بأمر لا يحمد العقلاء الانشغال به، (لَعِبٌ) نعم هو لو كان جزءا مختصرا من حياة الإنسان لتنشيط وضعه في ما هو المهم، لا محذور في ذلك، لكن
أن تصير حياته الدنيا كلها لعب، الطابع العام لها كله لعب، هذا (مضيع الطريق)، غير فاهم الدنيا على حقيقتها، ولا فاهم إنه لماذا جاء فيها في هذا الإطار. وأما (اللَّهْوُ) فكما قلنا هو الانشغال، المرة الماضية تحدثنا شيئا ما الأسبوع الماضي عن موضوع اللعب في الحياة الدنيا، الآن نتحدث شيئا ما عن (اللَّهْو)، (اللَّهْوُ) في القرآن الكريم ورد في عدة استعمالات، قد يكون (اللَّهْوُ) لهو القلب، القلب لاهٍ، لاهٍ يعني مشغول بشيء غير مهم عن شيء مهم، (اللَّهْوُ) هو هذا المعنى، يلهو بما ليس مهما عن الشيء المهم، يلهو عن الخطر الحقيقي بخطر جزئي، أو بلعب، أو ما شابه ذلك، فقد يكون القلب لاهيا، وقد ذكر القرآن الكريم هذا المعنى فقال: (لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ۗ)، قلب الإنسان يكون لاهيا، برنامجه العام
في حياته، كل حياته ملتهم فيها بأمر غير مهم عن الأمر المهم الذي له خُلق، خُلق من أجل عبادة الله، خُلق من أجل أن يتكامل في هذه الحياة، خُلق من أجل أن يفعل الخير، كل هذا وهو مشغول عنه، بماذا؟ بأمور سخيفة وتافهة وبسيطة، فقلبه لاهٍ، برنامجه الحياتي وخطته الحياتية مقدمة لأمر غير المهم على الأمر المهم، ومنشغل بذلك الأمر التافه غير المهم، ومعرض عما يهمه. هذا قد يكون لهو القلب، قد يكون لهو الحديث اللسان، ما أكثر الحكايات، وأكثر الكلام، وأكثر الثقافات التي ينطبق عليها أنها لَهْو الحديث، قد طبق أئمة الهدى صلوات الله وسلامه عليهم مثلا (اللَّهْوُ على الغناء)، الغناء اليوم النشاط البشري فيه مليارات الدولارات في كل مكان، من حيث أجور المغنيات، من حيث نفقات المسارح، من
حيث تذاكر المستمعين، من حيث كل الأمور، هذه الأدوات التي تستخدم، هذه كلها لما يأتي الإمام يقول هذا من لَهْو الحديث، اللَّهْوُ الذي ينشغل به الإنسان عن المهم في أمره، فقد يكون لَهْو الحديث، قد يكون خطابا وكلاما أيضا من لَهْو الحديث إذا لم يكن نافعا للإنسان، إذا لم يكن يحسن أخلاقه، لم يزد في علمه، لم يوجه إلى وعيه لدوره وحياته في هذه الدنيا، هذا قد يدخل في لَهْو الحديث. وقد يكون لَهْو الجوارح، وقد جاء في سورة الجمعة، ونحن نقرأ في كل جمعة، والمسلمون يقرؤون: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾، [سورة الجمعة: ١١]، يعيب عليهم القرآن الكريم، يوبخ، هذا يأتي