الوعي بالحياة الدنيا واستثمارها
كتابة الفاضل علي السعيد
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي القاسم المصطفى محمد، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين المعصومين المكرمين. السلام عليكم أيها الأخوة المؤمنون، أيتها الأخوات المؤمنات، ورحمة الله وبركاته. قال الله العظيم في كتابه الكريم، بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ، سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [ الحديد: ٢٠/٢١]، آمنا بالله صدق الله العلي العظيم. في حديث مضى ذكرنا
أن على الإنسان الحكيم والعاقل أن يضع لنفسه خريطة لحياته الدنيوية، وذلك لأنه إذا أراد سفرا قصيرا كان عليه أن يفكر في خريطة الطريق، فما بالك إذا كان هذا السفر وهذا الطريق يستغرق (٧٠) أو (٨٠) عاما أو أكثر من ذلك، إن من الأجدى والأجدر في مثل هذا السفر أن يبادر الإنسان إلى معرفة محطتي البدء والخاتمة، والطريق ما بينهما. وذكرنا، ونذكر إن شاء الله، أن القرآن الكريم قد عرف لنا الحياة الدنيا، والفترة الزمنية التي نعيش فيها، وبينها لنا بوضوح، وبالتالي وضع خريطة سليمة للوصول إلى المقصد بعد ذلك، من جملة ما ذكر القرآن الكريم في تعريف هذه الحياة الدنيا هاتان الآيتان من سورة الحديد. (اعلموا) وهذا تعبير ورد قليلا في القرآن الكريم، فكأن فيه تنبيها إضافيا، العادة أن
القرآن الكريم يلقي الكلام هكذا، يلقي الجملة لكي يتعلمها الناس، ويعملوا بها، لكن موارد معينة، وهي قليلة سبقها بالقول (اعلموا)، فكأن فيها مزيدا من الإلفات، مزيدا من الانتباه، مزيدا من العناية، من تلك الموارد القليلة قول الله عز وجل: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ...ۖ ﴾. هذه هي الحالة الطبيعية التي يمر بها البشر في حياتهم، لا يعني ذلك أن القرآن الكريم يمدح هذه الحالة، وإنما يصف، مثلا أنت مرة تقول مررت بالطريق، الطريق كانت فيه أشجار، وكانت فيه حفر، وكان مزدحما، لا يعني ذلك أنك تحب الازدحام، أو أنك ترحب بالحفر والعثرات، وإنما تصف ذلك. القرآن الكريم إلى هنا يصف المراحل التي يعيش فيها الناس، (لَعِب) وقد ذكر عن الشيخ البهائي
رضوان الله تعالى عليه أن هذه تتوافق مع مسيرة الإنسان العادية، (لَعِب) وهو حال الأطفال عادة، و(لَهْو)، واللَّهْوُ فيه بالإضافة إلى اللعب أنه يلهي عن شيء آخر، اللَّهْوُ مأخوذ فيه الانشغال بشيء عن شيء، ذلك الشيء الذي يُنْشَغل عنه أكثر أهمية، بينما هذا يلتهي بشيء أقل أهمية، مثلا إنسان عليه امتحان من الامتحانات المهمة، فيقوم بدل ذلك مثلا بلعب الكرة، هذا يلتهي بالكرة عن ما هو أكثر أهمية وهو الامتحان الذي ينتظره، (اللَّهْوُ) مأخوذ فيه هذا المعنى، أصل اللعب، اللعب أمر من الأمور التي كما يقولون لا يترتب عليها فائدة مهمة عند العقلاء، ولذلك غالبا ما يكون هو في مراحل الطفولة. فـ(لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ)، مرحلة من مراحل الشباب، تلاحظ أن الإنسان حريص على أن يتزين سواء كان رجلا أو امرأة،
وينفق في هذا شيئا كثيرا، وقد تمتد إلى وقت متأخر إلى العشرينات وما بعدها، حاضر أن يصرف نصف راتبه أو أن تصرف نصف راتبها، في سبيل أن تكون سيارته أجمل، وأن تكون هيئته أفخم، وأن يكون لباسه أكثر جذبا للأنظار. (وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ)، يترتب على هذا أن الإنسان في مرحلة الشباب عندما يتزين لا يتزين لنفسه، هل رأيت مثلا إنسانا يتزين فيما بينه وبين نفسه لما يريد أن ينام مثلا؟ كلا، يتزين حتى يظهر إلى الآخرين، ويأخذ (سلفي) ويسجل في (السناب)، ويحط على (الانستغرام) وغيرها، كل هذا الغرض منه ما هو؟ الغرض منه هي حالة دافعة، حالة التفاخر، أنه هو الأجمل، وأنه هو الأكثر مالا، حتى وصلت إلى الأموال، يعني يقول لك مثلا أنا أملك كذا وكذا، مع أن العاقل عادة