الوعي بالحياة الدنيا واستثمارها

الوعي بالحياة الدنيا واستثمارها
00:00 --:--

لا يكشف هذه الأموال، ولكن لأجل التفاخر، والتفاخر يعطي للإنسان فيما يزعم نوعا من القيمة. أنا لما أقول أنا في رصيدي (١٠٠) مليون مثلا أريد أن تقيم الناس لي وزنا، وتعتني بي، (هذا مو سهل)، وإنما رجل مهم، (أنا واصل) حسب التعبير، عندي علاقات مع الكبار ومع التجار ومع الرجال المهمين، معنى ذلك أنا شخص مهم، أقيموا لي وزنا خاصا، احترموني أكثر. (وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ)، المرحلة الأخيرة من الإنسان هي هذه، يعني سواء عن طريق نفسه أو عن طريق أحفاده، يرى كم خلف من الأولاد، ومن الأحفاد، وكم خلف وامتلك من الأموال، وما شابه ذلك، يتكثر بها ويصنع لنفسه الأهمية الخاصة. هذا المثل الذي يأتي به القرآن الكريم أن هذه الأمور لا بقاء لها، تبدأ في حياة الإنسان، تشتد

وتكبر، لكن بعد ذلك (فهل ينتظر أهل بضاضة الشباب إلا حواني الهرم؟)، أنت شاب صاحب كمال أجسام، عندك عضلات، ودائما تصور بهذه الطريقة، إلى كم سنة هذا سيبقى؟ أنت صاحب الأموال إلى كم ستبقى هذه الأموال عندك؟ أو أنت إلى كم ستبقى فيها؟ فترة من الزمان، يضرب الله المثل (كَمَثَلِ غَيْثٍ) مطر، (أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ)، الكفار هنا احتمالان فيها، احتمال بمعنى المزارعين، (الكفار) في اللغة العربية أصلها بمعنى الشخص الذي يغطي شيئا، وسمي المزارع بذلك لأنه يضع البذرة في الأرض ويغطيها بالتراب، وسميت الكفارة بالكفارة لأنها تغطي آثار الذنب، وسمي الكافر في العقائد بالكافر لأنه يغطي الحقائق الفطرية، يقول الله غير موجود مع أن الله سبحانه وتعالى أوضح شيء في الكون لكنه يغطي نداء عقله ونداء فطرته بهذا الكلام الذي

يقوله، فكلها في مصدر واحد يفيد ماذا؟ يفيد التغطية والتعمية والإخفاء، مزارع يغطي البذرة بالتراب، والكافر يغطي الحقائق الإلهية بالشهوات والإنكار، والكفارة تغطي الذنب وآثاره وتمسحها ولو بنسبة معينة. فبعضهم قال: (أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ)، يعني أعجب النبات الرجل الكافر يعني المزارع، المزارع ذهب بالبذر، أمطرت السماء، اشتعلت الأرض بالخضرة والورود، يعجب هذا المزارع والحارث بهذا الأمر، وقيل إنه لا الكفار بالمعنى الخاص، (أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا)، بعد مدة من الزمان هذه الخضرة تتحول إلى ماذا؟ إلى اصفرار، مدة معينة، بعض المزروعات الورقية قد لا تستغرق أكثر من شهرين، بعض الأشجار لابد أن يمر عليها ماذا؟ الفصول، فتلك الخضرة تحولت إلى اصفرار، وتلك الأوراق المتشابكة والملتفة أصبحت (هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ) (ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا)، انتهى،

يجف، وأي ريح تمر عليه تحطمه وتذره في الهواء. هذا حال الدنيا، هذا حال الدنيا حقيقة بعدما كانت في نظر قسم من الناس (لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ)، حقيقتها هي هذه، تصعد تصعد إلى مستوى معين، فإذا بتلك القوة تصبح ضعفا، إذا بذلك الغنى يعود فقرا، وإذا بذلك الجمال ينتهي، وعلى هذا المعدل. هذا حال الدنيا، في الآخرة هناك توجه، هذا يجري على كل الدنيا، أما في الآخرة فهناك سبيلان، وفي الآخرة أيضا قسم (عَذَابٌ شَدِيدٌ) لمن يجحد ويكفر، وقسم (وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ)، وأنت بالاختيار، الدنيا ما فيها اختيار، تمر هكذا إلى أن (يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا)، صحتك، قدرتك، مالك، جمالك، غير ذلك، هذا المسار لا أحد يستطيع أن يفر منه، اتجاه واحد، نعم في المعنى

تستطيع أن تغيره كما سيأتي بعد قليل، ولكن في الآخرة من البداية هناك شيئان، وفي الآخرة هناك طريق (عَذَابٌ شَدِيدٌ)، وطريق (وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ). (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)، غرور وخديعة، حتى هذا لما تقول إنسان مغرور، بمعنى متكبر وشامخ بأنفه، هذا مخدوع، (ماكل مقلب في نفسه) حسب التعبير، المصدر (غر- يغر-غرا - غرارا)، إشارة إلى خديعة، فأنت قد تغر شخصا وتخدعه، حياة الدنيا تغر شخصا وتسيره في مسار غير المسار الطبيعي، الشيطان أيضا سُمي بالغَرور، يعني شديد الغِرة والخداع للناس، (وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ)، يعني ذلك الذي يُكْثر من الإغرار بالآخرين، صيغة مبالغة (غَرُور) على وزن (فَعُول) بهذا المعنى، فهو يخدع الناس باستمرار، (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ). (مَتَاعُ) شرحناها في وقت مضى من الأسبوع الماضي، إذن

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة