لإسلامه، وهؤلاء المهاجرون إلى الحبشة (٧٠) شخصا -على حسب التعبير- حفاة عراة لا يملكون شيئا، كيف يستطيعون أن يسافروا؟ من يحملهم؟ من اللازم من تزويدهم بما يحتاجون، هذا يحتاج ثويا وذاك حذاء، وأموال السفينة، ومصرف النفقة والأكل والشرب، وغير ذلك، هكذا ذهب مالها. فالفرق، لاحظ بين امرأة قبل النبوة تعطي مالها كله، وإلى ما بعد، وبين نساء أخريات بعد النبوة تقول له أعطنا زيادة من الأموال، لذلك يتعجب الإنسان كيف أن بعض المسلمين يوازن ويقول هل أن خديجة أفضل لو فلانة من النساء أفضل؟ سبحان الله! السيدة خديجة سلام الله عليها كان إنفاقها بهذا الشكل، وبهذا الشكل عطاؤها، وقد عوضها الله سبحانه وتعالى عن ذلك بما قاله رسول الله: (ورزقت الولد منها، ولم أرزق من غيرها)، رسول الله حاشاه أن
يكون عقيما، لأنه كان لديه أولاد، نساء رسول الله بعضهن قد أنجبن من غيره أيضا، حتى تنتفي الحجة، لا تكون تلك عقيم مثلا، لا، بعضهن باكرات، بعضهن ثيبات، بعضهن ذات أولاد، لكن المقرر عند الله عز وجل أن يكون نسل رسول الله من خديجة عبر فاطمة يبقى إلى يوم القيامة، يحمل النور والوعي والمعرفة والدين، وهذه خاصية من خاصية هذا الرحم الطاهر لخديجة الصديقة صلوات الله وسلامه عليها، نعم السيدة ماريا القبطية أنجبت إبراهيم وتوفي صغيرا، وذلك في أواخر حياة النبي صلى الله عليه وآله، يعني من بعد سنة (٨) هجرية، والحديث هذا في بدايات ذهابه للمدينة سلام الله عليه، فهذا ما كان من خديجة. أما قضية زواجها، فمما تعرض للتشويه أمران: أمر عمر السيدة خديجة، وأمر زواجها، أما عمر
خديجة فالمعروف عند قسم من المسلمين أن رسول الله تزوجها وعمرها (٤٠) سنة، طيلة هذه المدة ماذا كانت تفعل؟ جاؤوا بزوجين بدل الزوج، عتيق المخزومي، أبو هالة، هؤلاء مَن؟ مَن كانوا؟ أين كانوا؟ ما هو شأنهم؟ ما هو تاريخهم؟ متى ولدوا؟ متى ماتوا؟ ماذا صنعوا؟ لا يوجد في التاريخ عنهم سوى الاسم فقط، والاسم أيضا مختلف فيه، بعد ذلك تزوجها رسول الله وعمرها (٤٠) سنة، على أساس أنها لما ماتت كان عمرها (٦٥) سنة، احذف منها (٢٥) سنة مدة بقائها مع رسول الله، وبالتالي يبقى عمرها (٤٠) سنة. تأتي تقول إن هذا العمر (٦٥) سنة غير مُسَلَّم حتى عند الفريق الآخر، الحاكم النيشابوري في (المستدرك على الصحيحين)، ويعتبر هذا الكتاب من حيث قوة أسانيده في مستوى البخاري ومسلم، لكن أُبعد
من الساحة باعتبار قالوا أن هذا قد يتشيع، لديه أشياء كثيرة من فضائل علي بن أبي طالب، وفضائل أهل البيت، وما شابه ذلك، فكان هذا سببا لاستبعاد مستدركه عن الساحة، وإلا رجل يفيض علما، يقول: (وهناك قول شاذ أنها توفيت وعمرها ٦٥ سنة، والأصح أنها توفيت قبل الـ(٦٠))، لم تصل حتى إلى الـ(٦٠)، لما تذهب إلى ابن عساكر صاحب (كتاب تاريخ دمشق)، هذا تحديده بعد أكثر، يقول حين توفيت كان عمرها (٥٥) سنة، اعتقادنا من خلال بعض القرائن أنها توفيت وعمرها (٥٣) سنة، فهذا يحتاج إلى بحث تاريخي مفصل، والوقت يتداركنا، إذا تحسب عمرها (٥٣) سنة وتنقص منها (٢٥) سنة، يصبح عمر زواجها (٢٧) سنة، (٢٨) سنة، أو نحو ذلك. وحكاية زواجها السابق ليس لأنه كما قال بعضهم لابد أن
يتزوج النبي امرأة بكرا، فإن الله يكرم النبي بذلك، هذا ليس هو السبب، لا نعتقد أنه سبب كاف، فإن النبي قد تزوج أم سلمة، وهي ثيب، وهي ثانية نساء النبي عند الإمامية من حيث الفضل، وتزوج زينب بنت جحش التي زوجها الله إياها، ﴿...فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾،[الأحزاب: ٣٧]، تزوجها وهي ثيب، كانت ذات بعل قبل ذلك، وهو زيد، فهذا ليس السبب، وإنما السبب طبيعة القضايا، والقرائن الحافة بخديجة. الآن لو شخص جاء لك، رجل فقير حسب التعبير، وليس له وضع اجتماعي، وقال لك إنه أنا تزوجت بنت الملك الفلاني، أول موقف هو أن تتشكك في ذلك، يقول أثبت هذا، لماذا؟