واستفاد الشيخ الكليني أيضًا في تلك الفترة سنة ٣٢٩هـ من علماء قم وروى عنهم في تأليف كتاب ( الكافي ) لكن في سنوات ٤٠٠ فصاعدًا انتقل الحجم العلمي والحوزة العلمية والعلماء الكبار إلى بغداد وذلك باعتبار أن الدولة البويهية في ذلك الوقت وهي دولة شيعية حاولت أن تجتذب العلماء من مختلف المناطق إلى بغداد فانتقل إليها الشيخ الطوسي والكليني والصدوق أيضًا مر بغداد وغير هؤلاء فصار ما يشبه الانتقال الحوزوي العلمي من قم إلى بغداد وهذا بالطبع أثر تأثيرًا كبيرًا على الحوزة العلمية في قم ، فبدأت تضعف بالتدريج إلى سنة ٥٠٠ فما بعدها جدًا ضعفت الحوزة العلمية في قم على أثر انتقال العلماء إما إلى النجف تبعًا للشيخ الطوسي وإما إلى بغداد وبعضهم إلى الحلة في زمان الحليين فضعفت الحوزة العلمية ضعفًا بينًا وبقيت بشيءٍ محدود واستمر هذا الأمر زمنًا طويلًا . والذين جاؤوا من بعد الحوزة العلمية بعد هذا الرقاد سيأتي بعد فترة طويلة كالمرحوم الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي المتوفى سنة ١٣٥٥هـ فمن سنة ٥٠٠إلى هذه الفترة رجعت الحوزة في قم إلى حوزة بسيطة وكبلدة صغيرة والحوزة العلمية فيها كانت ضمن هذا الإطار إلى زمان الشيخ عبد الكريم الحائري رضوان الله عليه وكان من طلاب الميرزا محمد حسن الشيرازي قائد ثورة التمباك والمحارب للاستعمار البريطاني وميرزا محمد تقي الشيرازي الذي قاوم الانجليز في العراق وقد تتلمذ على يد هؤلاء وأمثالهم من العلماء الكبار وبعد ذلك أراد الرجوع إلى بلده الأصلي وهو يزد لكن إلحاح الطلاب والعلماء عليه وهو أستاذ لمجموعة من مراجع التقليد ومنهم السيد الخميني رحمه الله وأيضًا السيد الكلبايكاني رحمه الله والشيخ لطف الله الصافي والسيد شريعتمداري والسيد مرعشي النجفي رضوان الله عليهم أجمعين وغير هؤلاء كلهم كانوا من تلامذة الشيخ عبد الكريم وهؤلاء وغيرهم أصروا عليه ألا يذهب إلى يزد لأن الحوزة العلمية في قم موجودة ولكنها تحتاج إلى رأس كبير وإلى عالم جليل يلتف حوله الناس ، وبالفعل بقي في قم وبوجوده فيها تأسس التأسيس الثاني للحوزة العلمية هناك . وصار كل من عنده تميز علمي في جانب من الجوانب كالأدب واللغة العربية والأصول والفقه وعلوم القرآن وصار بمقدار ما يستطيع يبعث ويرسل ويقنع هؤلاء الأشخاص المتفرقين هنا وهناك في النجف وفي كربلاء وأصفهان ومشهد بالذهاب إلى قم فأعاد من جديد مركزية الحوزة العلمية في قم وتأسست من جديد على يد الشيخ عبد الكريم الحائري والذي لولاه وأعماله المختلفة ربما لم تقم للحوزة العلمية في قم قائمة بعد ذلك الانحسار .
وفي زمانه أيضًا جمع حوله مجموعة من العلماء الكبار بالإضافة إلى تلامذته كان هناك ثلاثة علماء أكبر من هذا الجيل أحدهم يسمى السيد محمد حجت وإليه تنسب المدرسة الحجتية في قم وهي لا تزال إلى الآن موجودة وهي مدرسة ضخمة جدًا مساحتها ١٥ألف متر وتحتوي على نحو ١٢٠ غرفة للطلبة وهذه المدارس مهمة جدًا في الحوزات باعتبار أنه ليس كل الطلاب يأتون وهم متزوجون أو قادرون على إيجار البيوت فكانت هذه المدارس العلمية هي بمثابة مسكن ومأوى لهؤلاء الطلاب ( وهذه من الأمور التي في بعض المناطق قضية الأوقاف غائبة عنها مع أهميتها الكبيرة فمثلًا في منطقتنا كثير من الناس يجمعون الأموال ويقومون ببناء حسينية يوقفونها لذكر الإمام الحسين وهذا عمل ممتاز بلا ريب ، وآخر يبني مسجدًا ويوقفه لذكر الله وهذا عمل رائع وبديع لكن بحسب ما رأيت لم أسمع عن أحدًا أوقف مدرسةً علميةً لطلاب العلم ، فالحوزات العلمية نقطة قوتها بالإضافة إلى وجود المراقد هي وجود المدارس يكون فيها الدرس ويسكن فيها الطلاب الذين يأتون من مناطق أخرى وهذا يريحه من دفع الإيجار وتصير محورية الحوزة العلمية في هذه المدارس وهذا ما فعله هذا العالم الجليل محمد حجت وهي إلى الآن موجودة وتستضيف مئات الطلاب الذين يتخرجون منها ويذهب ثواب كل ذلك إلى بانيها ومؤسسها وواقفها .