الحوزة العلمية في قم وتطورها التاريخي
كتابة الفاضلة ليلى الشافعي
يتناول الحديث عرضَا تاريخيًا مختصرًا عن الحوزة العلمية في قم المقدسة ومن الطبيعي لمحدودية الوقت أن تغفل بعض الجوانب وأن لا تبين بالشكل المناسب . ويمكن تأريخ بداية الحوزة العلمية في قم بهجرة الأشعريين من الكوفة إلى منطقة قم وذلك حوالي سنة ثمانين للهجرة ففي هذه السنة أجبر الأمويون قبيلةً يمنيةً وهي قبائل الأشعر ومدحج وكندة أن تجلي عن الكوفة وهي قبائل يمنية شيعية استوطنت الكوفة وهم من شيعة أهل البيت عليهم السلام ويشهد لذلك أن قسمًا من أبناء هذه القبائل كانوا مع المختار الثقفي ورأسهم السائب بن مالك كان ممن قتل مع المختار قتله أنصار مصعب بن الزبير حتى أن الحجاج لما جاء بعد انهزام الزبيريون وسيطرة الأمويين على الكوفة عارضه ابن السائب وهو محمد بن السائب الأشعري فالحجاج على أثر ذلك هددهم بأنه إذا لم تخرجوا من الكوفة سيصنع بكم كذا وكذا ، وفعلًا خرجت جماعات كثيرة من هذه القبائل من الكوفة واتجهوا في الغالب إلى إيران وبسببهم كانت الموجة الأولى من التشيع في إيران . لأن إيران مرت بخمس مراحل إلى أن أصبحت شيعية بالكامل تقريبًا . وأول مرحلة من هذه المراحل والتي كانت مهمة جدًا على يد الأشعريين وكانت قبلها ولكن بشكل بسيط .
واتجه الأشعريون إلى قم وفي قم رأوا أن أهل هذه المدينة والتي كان قسم كبير منهم ما كانوا على منهج التشيع يتعرضون لغارات من البادية ومن أطراف المدينة ، كانوا يغيرون عليهم ويسلبونهم أموالهم وأغنامهم ، فلما جاء الأشعريون أبدوا استعدادهم للدفاع عنهم وبالفعل نظموا قوتهم واستعانوا بأهل قم فلما جاء أولئك الغزاة على جاري العادة واجهوهم بقوة وقتلوا منهم مقتلة كبيرة وهزموهم فلم يفكر أولئك بعدها في الغزو . وهكذا شكل الأشعريون الشيعة القادمون من الكوفة مهجرين تحت تهديد الحجاج شكلوا في بلدة قم حمايةً لأهلها من الغزاة والسراق واللصوص . وأحسنوا العلاقة مع أهل قم وكانت أخلاقهم طيبة وأمورهم الدينية كانت مضبوطة وانشغلوا بالتجارة . فأقبل عليهم الناس وتعرفوا على ديانتهم ومذهبهم وآمنوا بآل محمد ومع هؤلاء كان هناك عددٌ من الرواة وعدد من العارفين بأمور الفقه وبدأوا يعلمون الناس أحكام الدين وأحاديث رسول الله ( ص) وما حفظوه عن الأئمة المعصومين عليهم السلام وهذا يعتبر أول بداية للعلم في تلك المنطقة واستمر هذا وصار يكثر إلى حوالي سنة ٢٠١ هـ عندما توفيت السيدة فاطمة بنت موسى بن جعفر المعروفة بفاطمة المعصومة وكانت وفاتها بالقرب من قم في منطقة ساوا وهذه البلدة إلى الآن موجودة في حدود أربعين كيلومتر تبعد عن قم وهناك بدت عليها أعراض التعب والمرض وكانت في طريقها للنهاية فأوصت بحملها والإسراع بها مع الركب إلى قم باعتبار أن هذه البلدة فيها عدد كبير من شيعة أهل البيت عليهم السلام وبالفعل قضت نحبها هناك في بيت موسى بن خزرج الأشعري ودفنت في قم فصار قبرها محور للناس . وعادةً تنشط الحوزات العلمية إذا كان هناك مشهد أو مسجد أو مرقد مقدس وهذا يكسبها نشاطًا وروحانيةً أكثر ووجود هذا القبر الشريف لأخت الإمام الرضا ساهم في تنشيط الوضع العلمي والحوزوي في هذه البلدة وإلى يومنا هذا .
بعدها بحوالي ١٢٠سنة اجتمع عددٌ كبيرٌ جدًا من المحدثين في بلدة قم قسم منهم جاء من الكوفة وقسم آخر جاء من بغداد وقسم من أماكن مختلفة فالذين كانوا يذهبون للإمام الرضا عليه السلام كانوا يمرون أحيانًا على بلدة قم وبعضهم كان يستحسن هذا الوضع العلمي الديني الشيعي فيستقر هناك .
وما صارت سنة٣٦٠هـ إلا واجتمع عدد كبير جدًا من رواة المعصومين عليهم السلام المباشرين وغير المباشرين مثل إبراهيم بن هاشم القمي الذي كان يروي بواسطة واحدة أحيانا عن الإمام العسكري عليه السلام وابنه علي بن إبراهيم صاحب التفسير وأمثال هؤلاء وعدد كبير من الأشعريون كزكريا بن آدم القمي وأحمد بن عيسى الأشعري وغير هؤلاء . وباختصار العلامة الحلي رضوان الله عليه عندما شرح كتاب (من لا يحضره الفقيه ) الذي ألفه الشيخ الصدوق محمد بن بابويه القمي وهو أحد الكتب الأربعة المعتمدة عند الشيعة ومؤلفه قميٌ ووالده أيضًا قمي وكلاهما من كبار الرواة والعلماء ، فالعلامة الحلي عندما شرح هذا الكتاب في زمان الصدوقين الوالد والولد اجتمع فيما نقل في قم نحو مائتين ألف محدث وهذا عدد هائل جدًا . وهذا يعني أن الحوزة العلمية في ذلك الوقت على الأقل كان فيها مائتين ألف شخص إذا كانت هذه الإحصائية التي أتى بها الحلي دقيقة وتامة . فهذا يبين أن حجم الحوزة العلمي كان كبير . والآن يوجد فيها ما يقارب ثلاثمائة ألف طالب علم على مختلف المستويات وهذا العدد لا يوجد في النجف. وقم في ذلك الوقت يعني في حدود سنة ٣٤٠هـ فصاعدًا هناك ٢٠٠ ألف واحد من المحدثين فتصور لو كل واحد منهم حدث بحديث واحد كم سيكونون فالدروس قائمة والمدارس عامرة والمباحثات العلمية مستمرة وهكذا . فنما العلم هناك نموًا كبيرًا بل كانت الحوزة العلمية في قم والتي كانت مضادة لتيار الغلو بشكل كبير فأي واحد من الرواة كانوا يرون عنده أحاديث فيها شيء من الإفراط أو الغلو أو المبالغة كانوا يقاطعونها ورئيس قم في ذلك الوقت وهو من الأشعريين كان يقول له لا تبقى في قم حتى لا تخلق تيار من الغلو في هذه البلدة فكانت حوزة علمية ناضجة مع أن الاتجاه العام فيها هو اتجاه الأحاديث والأخبار والمدرسة الأخبارية حسب التعبير في ذلك الوقت فاستمر الوضع هكذا .