إن هذا الحديث لهو مقدمة للكلام عن هذا المرجع العظيم السيد الحكيم رضوان الله تعالى عليه وقد علمنا أننا لا نستطيع أن نحيط بصفاته وبسيرة حياته، فقد عُمِّر ٨٩ عاماً رضوان الله تعالى عليه وكل هذه السنوات هي سنوات نشاط وعمل وجهاد وتبليغ، لكننا نعنون بعض العناوين السريعة.
السيد سعيد الحكيم هو سبط مرجع الطائفة وزعيمها الأكبر السيد محسن الطباطبائي الحكيم، فهو ابن بنته وسبطه بالتالي، فهذه الأسرة من مئة سنة تقريباً بل تحقيقاً وهي في طريق رفد الطائفة بالعلم والعلماء والفقهاء بل والمراجع، أي من سنة ١٣٤٠ للهجرة بدأ السيد محسن الحكيم بتدريس البحوث العالية في الفقه والأصول وتتابعت إلى الآن حتى انتقل سبطه إلى رحمة الله، فهي أسرة ولادة للعلماء وولادة للعلم، فقد جاء السيد محسن الحكيم رضوان الله تعالى عليه ولعل بعض الآباء قد أدركوا زمانه وقلدوه ورأوا عزة الطائفة في زمانه والتي ربما لم تتيسر لأحد من زعماء الطائفة في العصر الحديث، بالرغم من أنه في دولة معادية إلا أنه كان في عزة وفي عزته كانت عزة الطائفة، فلما انتقل إلى رضوان الله جاء ابنه السيد يوسف الحكيم رحمه الله وهو أيضاً كان فقيهاً من الطراز الأول وقد رُجِع إليه في التقليد ولكن بساحة محدودة ولم يمتد به العمر طويلاً.
أما من سائر العلماء الذين هم من هذه الأسرة فحدث ولا حرج، كالسيد محمد تقي الحكيم رضوان الله تعالى عليه الذي كان رجلاً فقيهاً وأصولياً من الدرجة الأولى وكان من أهل مدرسي كلية الفقه في الدراسات العالية وإلى الآن كتبه لا تزال تعتبر مناهج متينة ورزينة جداً تعتمدها الجامعات إما في أصل التدريس وإما في اعتمادها كمصادر.
كذلك المرحوم السيد عبد الصاحب الحكيم الذي كان يتوقه له المرجعية لولا أنه قتل على يد أزلام النظام السابق، وإن هذه الأسرة بالإضافة إلى ما فيها من العلم فقد كانت أسرة الشهادة فقد كان فيها ما يقارب السبعين شهيد طوال هذه المدة فإنها ينطبق عليها قوله تعالى: ((إنا أعطيناك الكوثر * فصل لربك وانحر * إن شانئك هو الأبتر)) أي كلما ضايقها الظالمون أنتجت أكثر فأكثر.
وأخيراً السيد محمد سعيد الحكيم الذي كان من الناجين بفضل الله تعالى من سجن في أيام الطاغية صدام الذي استمر لثمان سنوات وقد أوذي أذاً كثيراً جداً خلَّف آثاره إلى آخر حياته، فقد أصبحت رجله لا تطاوعه على المشي وكذلك ظهره أصبح دائماً مقوس وذلك كما يذكر أهله وعائله أنه بسبب التعذيب وقد كان الجلاوزة يتسابقون في أن يجعلوه ينطق كلمة (آخ) ويتوسل ويبكي، فيضربوه بكل ما يستطيعون ويعذبوه بأنواع التعذيب المختلفة وكان أقصى ما يقوله السيد الحكيم (يا الله.. يا الله)، وانتهى به الحال إلى أن بدنه الضعيف أصبح بهذه الطريقة، والغريب أنه في ذلك السجن ومع تلك الأوضاع كان لا يترك الدرس في كل يوم لأنه كان عدداً كبيراً من أسرته قد سجنوا معه، ثم انضم إليهم بعض الشباب المجاهدين فكان يحتضن أولئك الشباب ويوصيهم وينصحهم ويقوي عزائمهم، أما بالنسبة لأهل العلم من أسرته ومن غيرهم فقد كان يعقد الدروس معهم يومياً حتى أنه ذُكِر في سيرته أنه كتب كتاباً في مهمات مسائل الأصول ومواضيع الأصول في داخل السجن بالطرق المتوفرة عندهم، فقد كانوا يكتبون على أوراق السجائر وعلى بعض أوراق الكرتون، فإن مثل هذا العالم لو علم الناس ما في طلب العلم لطلبوه ولو بسفك المهج وخوض اللجج ومثله تستغفر له حتى الحيتان في البحار.
عندما نأتي إلى إنتاجه العلمي وتدريسه، فإنه منذ ٥٥ سنة كان يدرِّس البحوث التخصصية العالية والتي تسمى ببحوث الخارج فهي أعلى مستوى يبلغ إليه الإنسان الحوزوي بحيث أنه إذا درس مدة من الزمان يتعود على طرق الأستدلال ويسير في طريق الإجتهاد فإذا وفق الله يصبح واحداً من المجتهدين الفقهاء، فقد كان رحمه الله ٥٥ سنة يدرس هذه البحوث بشكل دائم ولا يعطل ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وقد نتج عن ذلك عدد من الكتب منها (مصباح المنهاج) الذي يحوي عدد كبير من المجلدات، أيضاً (منهاج الصالحين) وهو الرسالة العملية التي ألفها جده السيد محسن الحكيم ثم جاء بعده العلماء وحشَّوا عليه، كالإمام الخوئي رضوان الله تعالى عليه الذي كتب حاشية عليه ثم أُدمِجت وكذلك بقية المراجع، فقد اعتُمِد هذا الكتاب كنص فقهي فأغلب العلماء ممن يريد أن يقدم رسالة فقهية عملية كان يعتمد على منهاج الصالحين، والبعض الآخر من العلماء كان يعتمد على كتاب (وسيلة النجاة) أو على كتاب السيد البروجردي رحمة الله عليه، ولكن الأكثر كانوا يعتمدون نص السيد الحكيم وهو (منهاج الصالحين).