هذا الوضع السياسي جاء في ضمنه أجهزة دينية فجاء محدثٌ وجاء رجاليٌ وجاء قصاصٌ وجاء خطيب جمعةٍ وجاء عالمٌ ومفتٍ ضمن هذا الجو وهذا الإطار فكان أن انتجت إنتاجات : كتب وأحاديث وروايات وبعض الصحاح ألفت ضمن هذا الجو وفي هذا البحر فمن الطبيعي أن هذا المؤلف إنما يراعي وضع الحاكم وتوجهاته ، فإذا كان الحاكم ينصب العداء لعليٍ فهل يعقل أن يأتي صاحب الكتاب بفضائل الإمام علي وحديث الطير المشوي والحق مع عليٍ وعليٌ مع الحق وحديث الغدير ؟ ! فضلًا عن أن بعض هؤلاء هم عقائدهم ضمن الاتجاه الأموي . فصار هذا الاتجاه محميًا من قبل الدولة والحكومة والخلافة وأنتج إنتاجات متعددة وترافق هذا مع شيء آخر في زمان تأليف الكتب أنه صارت قضية التشيع تعتبر تهمة وتعتبر مثلبة ونقطة نقص في المحدث ، فإذا اتهم أحدٌ بأنه شيعيٌ اجتنب حديثه ولا يؤخذ عنه وطبيعي أن أي محدث لن يضيع نفسه ويجعل الطلاب ينفرون عن الأخذ منه لاتهامه بالتشيع لا سيما وأن قسم منهم ليسوا شيعة فيقول لماذا أحدث بفضائل علي عليه السلام وأتهم بهذا الإتهام فلا يؤخذ مني فضلًا عن العقوبات التي تصيبهم كما حصل للنسائي عندما ضرب في بلاد الشام وقضى نحبه على أثر ذلك والجهضمي وغيرهما كثير من الحوادث .
فإذا كان الشيعي الحقيق لا ينقل عنه كما ذكرنا من أن الذهبي يقول الرافضة اجتنبوا في الحديث عنهم لأنهم يلزمون التقية وبالتالي لا يكونون صادقين . أما غير الشيعي وإن كان عنده ميل لأهل البيت كان يكتم ذلك حتى لا يضرب ولا يلغى حديثه بالكامل .
والأمر الآخر أن أتباع هذا الاتجاه الأموي فرضوا حصارًا شديدًا على قضية المناقب والفضائل لا سيما منها تلك التي ترتبط بالعقائد الدينية ، فتوجد بعض الأحاديث مرتبطة بقضية التفضيل : تفضيل علي بن أبي طالب عليه السلام على سائر الصحابة وهذه مرتبطة بعقيدة دينية لأن في مدرسة الخلفاء صحة الخلافة قائمة على أساس أفضلية الخلفاء والأفضلية قائمة على أساس ترتيب الخلافة ، فإذا جاء حديث يقول أن ( عليٌ خير البشر ) ورواه بعض الصحابة فهذا يهدم ركن من أركان المدرسة الأخرى فكيف تنقله ؟
فإذا جئنا لحديث الوصية وقيام الإمام علي مقام رسول الله بعد وفاته فإذا ينقل هذا يعني أن هناك وصيةً من رسول الله مبكرة وإشارة إلى الوصي ، كما في بدايات البعثة حين قال رسول الله ( من يؤازرني على أن يكون أخي ووارثي ووصيي من بعدي ) فإذا صار هذا الحديث ثابتًا ونقلناه في كتبنا فهذا يعني أننا سلمنا بما يقوله الإمامية بأن هناك وصية لعلي بن أبي طالب ! وأمثال ذلك كحديث الغدير وغيره .
فماذا صنع هذا الاتجاه ؟
عدة أمور نوجز قسم منها :
أول ما قاموا به : التعتيم على المناقب والفضائل .
مثل ما قال هناك برئت الذمة ممن روى شيئًا من مناقب علي بن أبي طالب . ظل هذا الأمر مستمرًا حتى لو لم يكن بشكل رسمي ولكنه عندما يأتي ويصنف ويدون يغفل ويهمل فضائل ومناقب العترة . ومن العجيب أنه بالرغم من ذلك حتى لا تضيع الحجج ولولا هذا لكان مشكلًا فكان من الطبيعي أن تندثر كل هذه المناقب والفضائل ولو كان هذا لما كانت لله حجة على الناس . فكان من لطف الله عز وجل أن بقيت هذه الأحاديث وهذه الروايات بالرغم من حجم العمل الكبير والضخم الذي تم لأجل دفنها طمرها وإخفائها لكن الله أراد أن تبقى حججه ظاهرةً قائمةً موجودةً للناس فإذا أراد أحد أن يبحث في روايات المناقب والفضائل التي ترتبط بالعقائد يجد الكثير وهذا من العجيب أن دولًا وليست دوله ظلت تعمل لمئات السنين بكل أجهزتها من أجل إخفاء هذه الأمور ومع ذلك تبقى ظاهرة . وقسم من هذه الروايات فعلًا انطمر ولكن المقدار الذي يكفي لإقامة الحجة للإنسان الباحث عن الحقيقة هذا موجود .