لهؤلاء طرق متعددة في مثل هذا الأمر في إبعاد الأمة عن العترة وفي تعظيم الفاصلة بين الأمة وبين العترة .
أول ما صنع هذا الاتجاه : كرس مفهومًا أن الذي يثني ويمدح وينقل فضائل أهل البيت وذكر علي بن أبي طالب هذا شيعيٌ بل رافضيٌ وإذا كان كذلك فإنه تترتب عليه آثار متعددة ، هذا صنعه قسمٌ من رجال الحديث ، وكانت البدايات من قبل الأمويين أن من روى شيئًا من مناقب علي بن أبي طالب فقد برئت الذمة منه يعني أن كل حقوقه المدنية ستسقط على أثر ذلك وهؤلاء في فترات طويلة كانت يده الطولى في الحكم والسياسة من زمان الأمويين سنة ٤٠هـ إلى نهاية دولتهم سنة ١٣٢هـ واستثني منها أربع سنوات فقط وهي أيام عمر بن عبد العزيز الذي رفع اللعن والشتم أما باقي الفترة فهي في هذا الإطار شدةً وخفةً فمرةً يصير مثل خالد بن عبدالله القسري والحجاج الثقفي والخلفاء مثل هشام بن عبد الملك وغيره وهؤلاء لسان حالهم كما قال خالد القسري أثناء ولايته فقد طلب من محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أن يكتب له شيئًا من سيرة رسول الله فأراد أن يكتب فقال له : قد يمر بي ذكر علي بن أبي طالب فماذا أصنع أفترى أن أذكره ؟ قال : لا إلا أن تذكره غي قعر الجحيم أما مقام بطولة ومنقبة وفضيلة فلا . ونفس الكلام أيضًا بالنسبة للحجاج الثقفي الذي كان يقتل على أساس أن هذا من أولياء علي بن أبي طالب وأنه ينقل أخباره وقضاياه .
فهذا المستوى استمر إلى زمان العباسيين وبداية عهدهم أثناء حكم أبو العباس السفاح توقف قليلًا فما كانت لديه مبررات ليستمر في عداء علي وأهل بيته لا سيما وأن العباسيين جاءوا لإسقاط بني أمية الذين هم أعداء أهل البيت فبقيت الفترة التي قضاها أبو العباس السفاح عدة سنوات لكن ما إن جاء أبو جعفر المنصور إلا وبدأ نفس المشوار في صورة أسوأ في بعض الحالات مما كانت في زمان بني أمية . فقد أرسل المنصور العباسي رسائل إلى بني الحسن فيها من الشناعة ومن الفحش والشتائم والعيب على أمير المؤمنين عليه السلام وعلى الحسن المجتبى ما لم يفعله أي واحدٍ من الأمويين في كلامه وكان بينه وبين آل الحسن مشاكل وثورات فأخرج جميع أحقاده في الحسن وفي عليٍ عليه السلام وأرسل إليهم رسائل في غاية الدناءة . هذا ما كان من المنصور والذي قطع أي ارتباط بالأسرة النبوية فحسب التعبير إذا كان بيننا وبينكم علاقة مع بني هاشم على أساس أن جدهم عبدالله بن عباس تلميذ علي بن أبي طالب فنحن نقطع هذا الإصبع فلا نريد ابن عباس ولا نريد فقهه ولا نريد حديثه مادام يتصل بعلي بن أبي طالب ، فأعطنا يا مالك كتاب الموطأ والذي سيصبح الفقه الرسمي للدولة العباسية ، فابن عباس والذي هو حبر الأمة لأنه كان متصلًا بعلي وبني هاشم وكان في ركابهم قطعوا ارتباطهم به عضويا المنصور ومن جاء بعده . وهكذا بالنسبة لهارون ، نعم كانت هناك فترة ضيقة وهي فترة المأمون ومحمد الأمين . فالمأمون بما كان عنده من معرفة وعلم ما كان يعتقد اعتقاد ديني وإنما كان عنده معرفة نظرية بأن عليًا هو أفضل من كل من سبقه ولحقه ومحمد الأمين لم يصدر عنه شيءٌ واضحٌ معادٍ للعترة . وأما سائر الأوقات لا سيما عندما جاء المتوكل العباسي فقد وصفت مصادر مدرسة الخلفاء فضلًا عن غيرها وصفت المتوكل بأنه كان ينصب العداء لعلي بن أبي طالب أي أنه كان في أسوأ الدركات من العلاقة المتشنجة بالعترة الطاهرة .