ثم أكمل خطبته عليه السلام وقال: ( أيها الناس أنا ابن مكة ومنى، أنا بن زمزم والصفا )، فإذا قال البعض كما زعموا بأن هؤلاء خرجوا على أمير المؤمنين، فهنا يوضح لهم الإمام بأنهم من قلب منبع الدعوة من مكة ومنى أي من مواقع المناسك ومركز الوحي، وبدأ بعد ذلك يذكر نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ويبين فيه صفات جده المصطفى ويقول: ( أنا ابن من حمل الزكاة بأطراف الردى، أنا ابن خير من إءتزر وارتدى، أنا ابن خير من انتعل واحتفى، أنا ابن خير من طاف وسعى، أنا ابن خير من حج ولبى، أنا ابن من حمل على البراق في الهوى، أنا ابن من أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، أنا ابن من بلغ به جبرائيل
إلى سدرة المنتهى، أنا ابن من دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى، أنا ابن من صلى بملائكة السماء، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى، أنا ابن محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم )، فكل جملة من هذه الجمل تشير إلى قضية من القضايا بعضها عقائدية مثل قضية الإسراء والمعراج، وبعضها يشير إلى قضايا شرعية مثل قضية الزكاة وما يرتبط بها وقضية الصلاة، وتحتاج كل واحدة من هذه القضايا إلى إشارات ولكن لا يتسع الوقت لها كلها، وبهذا المقدار عرف الناس بأن هذا ليس غريباً عن الحالة الإسلامية وإنما هو في صميمها. ثم أكمل عليه السلام وقال: ( أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا لا إله إلا الله ) والمقصود بخراطيم الخلق هو أن الني
صلى الله عليه وآله وسلم كسَّر أنوف الكفار حتى يشاد ويرفع علم لا إله إلا الله وراية الإسلام، وهذا تعبير عن شدة المجاهدة. وأكمل: ( أنا ابن من بايع البيعتين وصلى القبلتين وقاتل في بدر وحنين )، فالبيعة الأولى هي بيعة العقبة وكانت قبل هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والبيعة الثانية هي بيعة الشجرة وقد كانت بعد الهجرة، والمقصود بالقبلتين أيضاً هما بيت المقدس في فترة من الزمان والكعبة في طول الوقت، ويأتي في بعض النسخ إضافة على خطبة الإمام عليه السلام: ( وهاجر الهجرتين )، وفُسِّرت بتفاسير عديدة بعضها يقول أن الهجرة الأولى هي الهجرة من مكة إلى المدينة برحل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والهجرة الثانية هي هجرة أمير المؤمنين عليه السلام فيما بعد
من المدينة إلى الكوفة لكي يكون حاكماً عليها، والبعض الآخر من التفاسير يشير إلى أن الهجرتين بالمعنيين وهي الهجرة الجغرافية من مكة إلى المدينة والهجرة المعنوية بمعنى أن الإنسان يهاجر من حالته السابقة إلى حالة جديدة فالنسبة إلى الأعراب مثلاً يهاجرون من بواديهم إلى المدينة وكذلك الإنسان المذنب يهاجر من الذنب إلى الطاعة، فالبعض يخمل الجرة الثانية على الهجرة المعنوية. ثم يكمل عليه السلام: ( ولم يكفر بالله طرفة عين، أنا ابن يعسوب المسلمين وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ) وأخذ بوصف مفصل لأمير المؤمنين عليه السلام فقال: ( سمح سخي بهلول زكي، ليث الحجاز وكبش العراق) إشارة إلى أنه سمح في وجهه وسخي في يده، والبهلول في اللغة العربية هو السيد الجامع للمواصفات الحسنة، والكبش أيضاً يعبر عن الشخص ذي
الشأن الكبير والشجاعة والتقدم فيقال كبش الكتيبة فلان وكبش البلد فلان، ليس بمعنى أنه خروف وإنما بموقعه بإعتباره أنه هو المتصدي للأمور والمتقدم فيها. ثم يكمل خطبته: ( مكي مدني أبطحي تهامي، خيفي عقبي، بدري أحدي، شجري مهاجري، أبو السبطين الحسن والحسين علي بن أبي طالب)، أي مكي في ولادته ومدني مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في إقامته، والمقصود بخيفي أي منى وما فيها من مسجد الخيف والعقبة، وقد شهد غزوة بدر وأحد معاً، ويصف أمير المؤمنين عليه السلام أيضاً بأنه شجري في بيعته أي بيعة الشجرة ومهاجري نسبة إلى الهجرة، وقد عرَّف نفسه بأنه ابن علي بن أبي طالب بعد تعريفه بأنه ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واستمر كذلك إلى أن وصل إلى