الأسارى في مجلس يزيد وخطبة الامام السجاد ١٩

الأسارى في مجلس يزيد وخطبة الامام السجاد ١٩
00:00 --:--

 حدث حوار آخر أيضاً عندما قال يزيد للإمام عليه السلام: ( فبما كسبت أيديكم )، فقال الإمام عليه السلام: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها) إلى آخر الآية في قوله عز وجل: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم )، وقال عليه السلام:( نحن القوم الذين لا نأسى على ما فاتنا ولا نفرح بما آتانا )، فحدثت حوارات بهذا المعنى، وبعد ذلك استدعى يزيد بعض الخطباء وهذا من الشواهد أيضاً على تعدد الحدث، فأمر يزيد خطيباً من خطباء بني أمية أن يقوم ويمدح يزيد وأباه ويشتم الحسين عليه السلام وأباه، فقام ذلك الخطيب وخطب خطبة تحدث فيها بشكل سيء عن الإمام الحسين عليه السلام وعن أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، فقضية شتم أمير المؤمنين عليه السلام في الشام ليست جديدة لأن هذه سنة معاوية من قبل عشرين عاماً سنها في بلاد الشام، لكن الأمر الجديد هو شتم الإمام الحسين عليه السلام ووصفه بأوصاف غير لائقة، فالإمام زين العابدين عليه السلام عندما سمع ذلك الكلام من الخاطب قال له: ( ويلك أيها الخاطب، اشتريت رضا المخلوق بسخط الخالق فتبوأ مقعدك من النار )، وهذا الأمر ليس خاصاً بذلك الخطيب فقط وإنما كل خطيب يخالف رضا الله ويغير الحقائق من أجل رضا المخلوق ومن أجل عطاياه فإنه ينطبق عليه هذا الكلام.

 قال الإمام زين العابدين عليه السلام ليزيد: إءذن لي أن أصعد هذه الأعواد فأقول كلاماً لله فيه رضا ولهؤلاء الجالسين أجر وثواب )، فكلمة الأعواد في اللغة العربية تدل على المنبر وهي المنابر الخشبية التي تصنع من الأعواد الخشبية، وكأنما الإمام عليه السلام يريد أن يشير إلى أن هذا المنبر ليس له قداسة بإعتبار أن أصله من أعواد الخشب، فمتى ما أصبح هذا المنبر منبر هداية ومصباح علم فحينها يستحق الكرامة، وقد استأذن الإمام عليه السلام من يزيد حتى لا يصعد إلى المنبر فينزله يزيد قبل أن يبغ غايته وقد كانت هذه الفكرة من الإمام عليه السلام في غاية الدقة والتدبير ولم يكن استئذانه بسبب أن يزيد صاحب ولاية شرعية.

 عرف يزيد بأن الإمام عليه السلام من هذه الطينة الطيبة ومن أهل بيتٍ زُقُّوا العلم زقاً وتتنزل عليهم العلوم والمعارف، فرفض أول الأمر ولم يسمح للإمام بأن يصعد المنبر، فحاول فيه الحاضرون ولم يستطع أن يستمر بالرفض لأنه أصبح في حرج من الحاضرين وخصوصاً أن الحادثة كانت في الجامع، فقبل وقال: (إن صعد هذا لا ينزل إلا بفضيحتي وفضيحة آل أبي سفيان) ولعل الكلمة الصادقة الوحيدة التي خرجت من هذا الرجل هي هذه الكلمة.

 صعد الإمام زين العابدين عليه السلام وهو مريض قد نهكته العلة، فقد كان مريضاً بمرض الذَرِب وهو أشبه بحالة من الجفاف التي تعتري البدن وبعض الأحيان يموت الإنسان على أثر ذلك لأن معدته لا تمسك بالطعام ولا يستفيد بدنه من الأكل الذي يأكله، فصعد عليه السلام المنبر وبدأ بخطابه المعروف: ( أيها الناس، أُعطينا ستاً وفُضِّلنا بسبع، أُعطينا العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبة في قلوب المؤمنين، وفُضِّلنا بأن منَّا النبي المختار محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ومنَّا الصديق ومنَّا الطيار ومنَّا أسد الله وأسد رسوله ومنَّا سبطي هذه الأمة، أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي )، هناك فن في الخطابة يسمى براعة الاستهلال، فقد كان الإمام عليه السلام بارعاً في ابتدائه واستهلاله بالخطبة، فقال إن هناك أشياء مشتركة بيننا وبين الناس وهناك أشياء خاصة لنا وفضِّلنا بها، فالأشياء المشتركة بيننا وبين الناس ولكن لنا النصيب الأكبر فيها هي: العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبة،فهذه الأمور موجودة عند الناس ببعض الدرجات ولكن الدرجة العليا تكون عند أهل البيت عليهم السلام، تأتي هنا أيضاً كلمة السماحة فهي ذات معنى واسع، كأن يقول إن هذا الشخص سمح ليس نكِداً ولا معقداً، وتأتي أيضاً بمعنى سخي اليد والمعطاء، فهذه الأمور كما هي موجودة عند سائر الناس إلا أنها موجودة عند أهل البيت عليهم السلام بمستواها الأعلى. وهناك أمور اختص بها أهل البيت عليهم السلام ولا يشترك معهم سائر الناس فيها وبمقدار قلامة ظفر، ما قال الإمام السجاد عليه سلام: ( وفضِّلنا بسبع )، فقد فضِّلوا عليهم السلام بأن منهم النبي المختار صلى الله عليه وآله وسلم ولا تستطيع أي قبيلة أخرى غير قبيلة بني هاشم بأن تقول إن النبي منهم، قال أيضاً: ( ومنَّا الصدِّيق ) وهذا له معنيان فالمعنى الأول هي مكانة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، والمعنى الثاني هو أن هذا اللقب وهذا العنوان إنما في حقيقته خاصٌّ بأمير المؤمنين عليه السلام وأن التسمية لغيره ليست كما ينبغ، فعندنا في نهج البلاغة من كلام أمير المؤمنين عليه السلام: ( أنا الصدِّيق الأكبر وأنا الفاروق الأعظم، لا يقولها بعدي أحد إلا كان كاذباً )، ثم يكمل الإمام السجاد ويقول: (ومنَّا أسد الله وأسد رسوله ومنَّا سبطي هذه الأمة ) فالمقصود بالطيار هو جعفر، فالإمام عليه السلام كان في بعض كلماته لمعاوية يفتخر بجعفر عندما قال: (ألا ترى غير مخبر لك بفضل الله علينا، أننا عندما يستشهد شهيدنا يقال له سيد الشهداء وعندما تقطع يده يقال له الطيار)، والمقصود بأسد الله وأسد رسوله في خطبة الإمام هو حمزة سيد الشهداء، وسبطا هذه الأمة هما الحسن والحسين عليهما السلام. في بعض المقالات مذكور بأن الإمام أكمل وقال: ( ومنَّا مهديها ) ويظهر بأن هذا التعبير غير موجود في النسخ القديمة مع أن المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف هو مما اختص به الله بني هاشم، ولكن كأن الإمام زين العابدين عليه السلام يخاطب أولئك الجمع بما كان يسهل عليهم تعقله ولا يمكن لهم التشكيك فيه، فقضية الإمام المهدي (عج) في ذلك الوقت لم تكن مطروحة بشكل واضح، ولذلك لم يثبت بأخبار معتبرة أن الإمام قال هذه الكلمة وربما قد تكون من إضافات البعض. بعد ذلك قال عليه السلام: (أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي)، فالنسب هو تسلسل الآباء والأجداد، بينما الحسب فهو غير ما يرتبط بذلك من البنوة، كأعماله الصالحة أو أعمال ذريته الصالحة أو أهل بيته.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١١

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة