فإذا كانوا يقولون أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صام يوم عاشوراء في مكة قبل الهجرة، فماذا يعني سؤاله عن صومه في المدينة؟، فحينها من المفترض أن يكون عارفاً بأن هذا يوم عاشوراء وأنه يُصام، فإن كان النبي صام هذا اليوم في مكة،فلا معنى من أن يسأل عن سبب صوم اليهود ولا معنى من أن يقولون أنه صامه في المدية، وإن كان النبي قد سأل عن سبب صوم اليهود ثم صام في المدينة فلا معنى من أن يقولون أنه صامه في مكة.
ثانياً: كيف يتفق بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصوم يوم عاشوراء ( أي العاشر من محرم ) في المدينة بعد قدومه إليها والحال أنه وصل إلى المدينة في شهر ربيع الأول، وهذا بإتفاق جميع المؤرخين من الشيعة ومن السنة أن هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت في شهر ربيع ولم تكن في أول محرم، وهذا التقويم الذي جعل شهر محرم هو أول أشهر السنة الهجرية حدث في زمن الخليفة الثاني، فكيف سأل عن صوم اليهود في ذلك الوقت، وهم يقولون أساساً أن النبي صام بمجرد قدومه إلى المدينة ولم يقولوا أنه صام بعد مرور سنة مثلاً، وقد شرع صوم شهر رمضان أصلاً في السنة الثانية للهجرة وعندهم لما شرع صوم شهر رمضان، تُرِك صوم عاشوراء.
ثالثاً: لا يتفق صوم اليهود مع يوم عاشوراء إلا نادراً، ومعنى ذلك أن اليهود عندهم صوم (كيبور) ويعني صوم الكفارة ومناسبته هي أنهم خرجوا من بطش فرعون إلى حيث الحرية، وهذا يصادف العاشر من تشرين الأول وهو الشهر الحادي عشر من التقويم الميلادي، ونجد أن التقويم الميلادي لا يتغير أبداً، بينما محرم يتغير بالنسبة إلى فصول السنة فلا يعني كل عشرة من تشرين الأول يساوي عشرة من شهر محرم، فلا يتفق بأن نقول أن اليهود يصومون يوم عاشوراء وإنما يصومون يوم العاشر من تشرين الأول الذي قد يكون أحياناً في صفر وأحياناً أخرى في رمضان وأخرى في رجب وما إلى ذلك، فهذا ليس له ثبات لأن الأشهر الهجرية غير ثابتة بالنسبة إلى الفصول لأنها تعتمد على القمر، بينما الأشهر الميلادية لأنها تعتمد على الشمس والأبراج فهي ثابتة دائماً، إذاً فإن من يقول أن اليهود يصومون يوم عاشوراء أي العاشر من محرم لأنهم انتصروا على فرعون فإن هذا غير صحيح.
رابعاً: أنه متى كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتحرى موافقة اليهود أو أن يرى ما يفعله اليهود ويفعل مثلهم؟، فالآيات القرآنية تشير إلى شدة مخالفة اليهود لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإلى شدة مخالفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للثقافة اليهودية.
ينقلون في موضوع أنه هل يجوز كتابة أشياء من التوراة والإنجيل أم لا؟، فهذا موجود في مصادر مدرسة الخلفاء وموجود في مصادر مدرسة أهل البيت عليهم السلام أيضاً، وهو أن أحد الصحابة الكبار جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال له: ( أني رأيت حبر يهودي يقرأ من التوراة فاستحسنت الشيء الذي يقرأه فاستنسخت منه ذلك ) وأخذ يقرأه على رسول الله، يقول الراوي أنه كلما قرأ الرجل يتغير وجه رسول الله ويتربد غضباً، لأنه يقرأ عليه توراة محرفة وليست كتاب الله، فقال الراوي للرجل الذي يقرأ: ( أما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غاضباً؟ )، فتوقف الرجل والتفت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال: ( أمتهوكون أنتم؟، والله لو كان موسى بن عمران حياً ما وسعه إلا إتباعي )، فمتى كان النبي يتحرى ويتقصد ويذهب وراء كلمات اليهود ويتبعهم وما شابه ذلك، فنحن لا نرى لهذا أثراً أصلاً في تاريخ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بل نجد خلاف ذلك.