تغييب القضية الحسينية بتغيير مناسبة عاشوراء
كتابة الفاضلة أم سيد رضا
روي عن سدينا ومولانا أبي الحسن الرضا عليه السلام وقد سأله أحدهم عن صوم يوم عاشوراء فقال: ( عن صوم ابن مرجانة تسألني؟ ذلك يوم صامه الأدعياء من آل زياد لقتلهم الحسين وهو يوم يتشاءم به آل محمد ويتشاءم به أهل الإسلام، واليوم الذي يتشاءم به أهل الإسلام لا يصام ولا يتبرك به ). صدق سيدنا ومولانا أبو الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السلام.
ذكرنا فيما مضى أنه قد تم تغييب القضية الحسينية من خلال تشويه وتزييف المصادر التي اعتُمِد عليها في نقل حوادث كربلاء، وفي ليلة مضت تحدثنا عن تشويه الأفكار الذي حصل حول النهضة الحسينية، وهذان كانا مسارين تم الحديث عنهما.
المسار الثالث الذي قام به الإتجاه الأموي من أجل تغييب القضية الحسينية هو تغيير مناسبة عاشوراء، من المفترض أن يوم عاشوراء هو يوم حزن على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعلى أهل البيت، وما يحزن الرسول فهو يحزن المسلمين، فلا يعقل أن شياً أو يوماً يحزن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ونحن نفرح فيه ونتزين ونتعطر ونأخذ الإحتفالات المفرحة، فهذا أمر غير طبيعي.
الذي حصل أولاً هو أن أتباع النهج الأموي قاموا بإلغاء الحادثة وإلغاء المناسبة بالكامل في الأماكن التي تمكنوا فيها من إلغائها، أي أنهم عندما كانت لهم سيطرة في بعض الفترات منعوا العزاء والبكاء وإقامة المآتم والإجتماعات، والذي يتتبع في تاريخ المأتم الحسيني والنياحة على الحسين يلاحظ أن الأمر بدأ من بعد رجوع السبايا إلى المدينة، ولو راجعنا في هذا الباب كتاب الشيخ محمد مهدي شمس الدين واسم هذا الكتاب ( ثورة الحسين في الوجدان الشعبي )، يحتوي على عرض ولو كان مختصراً عن تاريخ تطور المأتم والنياحة والحزن على الحسين، نلاحظ فيه كيف كانت مقاومة الإتجاه الأموي لقضية النياحة والعزاء، وهناك كتاب آخر للسيد الشهرستاني اسمه ( تطور النياحة على الحسين في التاريخ )، وغيره من الكتب التي أرخت للحقبة العباسية بالتحديد وإن كان زمان الأمويين كذلك أيضاً، ولاسيما في حوالي سنة ٣٠٠ وما بعدها فقد اشتد الأمر عند العباسيين إلى حد أنه أصدر القادر بالله العباسي الذي أتى ببدعة المذاهب الأربعة وأنه لا يوجد في الإسلام إلا أربعة مذاهب فقط وألغى ذلك قسماً من المذاهب السنية وألغى المذهب الجعفري أيضاً، وقد أصدر قانوناً بأن لا يعقد المأتم في بغداد عن مقتل الحسين عليه السلام إلا في الكاظم فقط لأن هناك قبر الإمام الكاظم عليه السلام، فلم يكن يعلم أن ذلك كان سبب إعمار الكاظم حيث أن منطقة الكاظم كانت منطقة قليلة السكان، لكن ببركات الإمام الحسين عليه السلام استوطنها الناس وتكاثروا فيها وأصبحت بلدة كبيرة، واشتد الأمر واستمر الحال كذلك في زمان السلاجقة والأتراك وعلى هذا المعدل، فمن بعد رجوع السبايا إلى المدينة كان أحد أسباب إخراج زينب من المدينة هو أنها كانت تعقد المأتم وتتحدث عن كربلاء وما جرى فيها، فقد كان عمر بن سعيد الأشدق والي يزيد الجديد هو الذي جعلها تضطر إلى الخروج من المدينة.
استطاعوا في الخط الأول أن يغيروا المناسبة بتغييبها، وهذا الأمر كما ذكرنا هو أمر عجيب على خلاف الوجدان وعلى خلاف الدين وعلى خلاف التعقل والحكمة، فلو أراد الإنسان أن يحزن في مثل هذا اليوم ويلطم على الحسين وعلى ذكر رسول الله أو لأي سبب من الأسباب، فما الذي يضر ذلك الحاكم الأموي أو العباسي حتى يصدر قانون أو مرسوم بأن هذا الأمر ممنوع ومن يفعله يعاقب عليه.