تغييب القضية الحسينية بتغيير مناسبة عاشوراء ٥

تغييب القضية الحسينية بتغيير مناسبة عاشوراء ٥
00:00 --:--

المسار الآخر الذي قاموا به هو المسار الأخطر في تقديرنا من قضية المنع، وهو تحويل هذا اليوم إلى مناسبة فرح وسرور واحتفال وانتصار، واعتبروه بأنه يوم من الأيام المباركة التي تتنزل فيها رحمة الله وغفرانه كما يزعمون، وأن من يعمل فيها بعض الأعمال يكون مباركاً في رزقه وحياته وكذا وكذا، ولا يزال هذا الأمر مستمراً إلى الآن، فالسلاجقة في بغداد هم من بدؤوا بهذا الأمر مناكفة منهم للبويهيين، فالبويهيون كان لديهم توجهات شيعية  وقد حكموا بغداد، فجاء السلاجقة الأتراك وسيطروا على الحكم وطردوا البويهيين وقد كنسوا ما استطاعوا من المراسم الشيعية وأحلوا مكانها ما يخالفها، فقد كان هؤلاء السلاجقة على خلاف بني بويه الشيعة الذي كان قاضي القضاة عندهم رجلاً سنياً معتزلاً، فقد كان السلاجقة يعتبرون يوم عاشوراء بأنه يوم مبارك ويوم فرح وسرور وما شابه.

وأيضاً جاء الأيوبيون في المنطقة الإسلامية على أثر الفاطميين، فالفاطميون في مصر بالرغم من أنهم ليسوا شيعة اثنعشرية وكانوا شيعة إسماعيلية، لكنهم فيما يرتبط بقضية الحسين والأئمة الأوائل نصبوا المأتم وقاموا بإعطاء الأطعمة على حب الحسين عليه السلام، فمنهم من كان يعزي وينوح وما شابه ذلك، فعندها جاء الأيوبيون وبالذات صلاح الدين الأيوبي ومحا كل شيء يرتبط بقضية أهل البيت وكان من ذلك قضية الحسين عليه السلام، ففي موضوع قضية الإمام الحسين عليه السلام تغيرت المسألة إلى أن أصبح ذلك اليوم هو يوم بركة وقد خلق الله فيه آدم وأنجى نوح من الطوفان وأنجى موسى من فرعون وغير ذلك من الأمور التي جعلوها في هذا اليوم، وأيضاً أصبح يوم عاشوراء عندهم يوم بركة وينبغي فيه التوسع على العيال ولبس الملابس الجديدة وهناك طعام وحلويات خاصة بعاشوراء، وإلى يومنا هذا فإنه يوجد مكان يسمى بالميعة المباركة وهو آتٍ من ذلك التراث، فنلاحظ أنه كيف تبقى السنة السيئة من ألف سنة إلى الآن وربما من يحتفل من الناس في هذا الزمان لا يعلمون أنهم يحتفلون ويفرحون في يوم هو يوم حزن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فمن التوافق مع النبي التوافق معه فيما يحزنه وفيما يفرحه.

كانت المغرب العربي هي المنطقة التي بعد مصر، وهذا من الغرابة أيضاً لأن المغرب العربي أسسه الأدارسة الحسنيون من أحفاد الحسن المجتبى عليه السلام بل وحتى الحاكمون الآن ينسبون أنفسهم إلى الحسن المجتبى عليه السلام، لكن لو نظرنا إلى هذه المناطق لوجدناها إلى الآن تحتفل بيوم عاشوراء وتظهر بمظهر الفرح والسرور والألعاب النارية والأهازيج وتوزيع الحلويات وغير الأسواق الكبيرة، فقد اعتبره موسماً للتسوق وأن من يبيع أكثر من المكسرات والفواكه المجففة وغيرها فسيبارك في رزقه طوال العام، وغيرها من الأشكال المختلفة، ولديهم عادة أيضاً تسمى الزمزمية، يقومون بالرش على بعضهم البعض من الصباح الباكر، وكذلك النساء يقومون بوضح الكحل بإعتقادهن أن من تقوم بوضح الكحل في هذا اليوم لا ترمد عينها.

ففي فترة من الفترات في المغرب العربي حكمها توجه متعصب جداً ضد أهل البيت عليهم السلام وقام بتغيير كل شيء عن أهل بيت محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا التغيير أصبح في المغرب والجزائر ومناطق البربر وإن كان قسماً من مناطق البربر يعتبرون أن هذا اليوم هو يوم حزن إلا أن الطابع العام في تلك المنطقة هو هذا الأمر. وكما ذكرنا أنه لعل الكثير من الناس الآن لا تعلم من أين أتى هذا الأمر ومن أي فلسفة.

وهكذا تغيرت المناسبة وتحولت من مناسبة يفترض أن يجلس فيها الناس للحزن على الحسين وتذكر مأساته والإعتبار بشهادته والإقتداء بالدروس التي خلقها في كربلاء من البطولة والفداء، تحول إلى يوم لعب وفرح كيوم العيد تماماً واعتُبِر بأنه يوم مبروك ويوم انتصار الأنبياء، فقد لا يصرحون بأنه يوم انتصار بني أمية لكنهم جعلوا الناس يعلمون بأنه يوم الفرح، كما جاء في زيارة عاشوراء: ( اللهم إن هذا يوم تبركت به بنو أمية وابن آكلة الأكباد )، وهكذا غُيِبَت القضية الحسينية في هذا المستوى الإجتماعي.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١٠

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة