جاء هذا الرجل وقام بنقل الأخبار بلا شهود عيان وبلا مصادر وبعض الأخبار لا أصلها ومُسَّلم بأنها كذب وغير صحيحة لكنه دوَّنها، ومنها:
١ – من الذي دفن الحسين عليه السلام؟ فالرأي المعروف عندنا أن الإمام دفن بعد ثلاثة أيام من مقتله وقد دفنه الإمام السجاد وبين قول أن بني أسد هم الذين دفنوه، لكن هذا الرجل وهو محمد بن سعد البغدادي جاء بقول آخر وهو أن الإمام الحسين بعد مقتله جاء غلام زهير بن القيم ودفن زهير وبعدها دفن الحسين وأنزله في حفرته.
هذا الكلام لم يقل به أحد صلاً وحتى بنو أمية لم يقولوه أيضاً، فهذا الكلام يس له مصدر ولا صحة.
٢ – يتحدث عن أنه بعدما قُتِل الإمام الحسين عليه السلام جاء رجل إلى علي بن الحسين السجاد فأخذه عنده وأسره وأخفاه حتى إذا ذهبوا إلى الكوفة ظلوا يبحثون عن الإمام السجاد عليه السلام ومن يأتي به سيحصل على جائزة فقام الرجل الذي أسره عنده وأخفاه في منزله قام تسليمه إلى ابن زياد وأعطاه مقابل ذلك ثلاث مئة درهم.
فهذه تعتبر قباحة وشناعة إلى ما لا نهاية لأنه يريد أن يبين لنا قيمة البشارة في العثور على الإمام السجاد، وأيضاً لو تمعنا أين كان الإمام السجاد طول هذه المدة ومن الذي كان يدير الركب بعد الإمام الحسين عليه السلام وكيف ارتحلوا.
٣ – يتحدث عن أن مروان بن الحكم جاء إلى الإمام السجاد وقال له بأن الحسين طلب منه أربعة آلاف دينار ولم يكن يملك هذا المبلغ ليعطيه الإمام الحسين في ذلك الوقت، والآن توفر عنده هذا المبلغ وطلب من الإمام السجاد أن يأخذه، فقبل الإمام السجاد ذلك وأخذ المبلغ.
هذا ذب صريح وخصوصاً أن مروان كان في غاية العداء للإمام الحسين عليه السلام، وهو الذي قال للوليد بن عتبه: ( إن فاتك الرجل لن تلقى إلا غباره أوثقه كتافاً فإن بايع وإلا فاقطع عنقه)، وكذلك الإمام الحسين عليه السلام يقول له: ( يا ابن الزرقاء، أنت تقتلني أم هو؟، كذبت ولؤمت )، فكيف يأتي الحسين عليه السلام ويطلب منه أربعة آلاف دينار، وغير ذلك أن مروان لم يكن معروفاً لا بالجود ولا بالغنى حتى يطلب منه الإمام الحسين ذلك.
٤ – يتحدث عن أن أبا جعفر الباقر كان يصلي خلف بني أمية دائماً وبدون تقية أيضاً، فهذا عين الكذب وأمثال ذلك عنده كثير.
إن هذا الكاتب صاحب الطبقات هو الذي جُعِل بعدما استبعد مقتل أبي مخنف الذي كان معتمد على شهود عيان كعقبة بن سمعان مولى الرباب أي خادم الرباب زوجة الإمام الحسين عليه السلام الذي كان موجوداً في المعركة ونقل أخبارها بدقة، فقد أبعد كتابه وأتلف لصالح محمد بن سعد البغدادي الذي تلقفه الخط الأموي في التاريخ.
جاء علي بن عساكر الدمشقي ولديه كتاب مفصل اسمه تاريخ دمشق وهو مطبوع وموجود الآن، وفيه أشياء أكثر من التي جاء بها محمد بن سعد البغدادي ومنها:
١- يقول أن الحسن والحسين لهما كل عام زيارة إلى دمشق لملاقاة معاوية حتى يستعطونه ويرفدهم بالمال.
مع أنه لم ينقل في مصدر معتبر بأن الإمام الحسن أو الإمام الحسين عليه السلام ذهبا إلى دمشق ولو لمرة واحدة.
٢- يقول أن الحسين شارك في الجيش الذي أعده معاوية وجعل يزيد عليه قائداً لفتح القسطنطينية (اسطنبول حالياً).
مع أن أصل القضية غير ثابت أصلاً.
فهذا الرجل أصبح المصدر الثاني بعد طبقات بن سعد، فقد أفرغ في كتابه الكثير من الروايات الباطلة المصطنعة والمختلقة وهذا الذي شاع وانتشر، فاعتمد هذان الكتابان على أنهما المصدر الأساس للقضية الحسينية، وعندما جاء ابن تيمية وأراد أن يكتب عن الحسين اعتمد على هذه الكتب، وكذلك تلميذ ابن تيمية وهو ابن كثير الدمشقي صاحب كتاب البداية والنهاية اعتمد أيضاً على هذين الكتابين وزاد فيهما من عنده أشياء وأيضاً عندما يأتي إلى خطب الإمام الحسين عليه السلام فإنه لا يذكرها، والمعروف بأن الإمام الحسين عليه السلام أكثر من الخطب والأحاديث ليعرف الناس بأهدافه وقضاياه، لكن ابن كثير لا يدونها، فلو كان عبيد الله بن زيان أو مروان بن الحكم أو يزيد قد أدلوا بكلمة واحدة لقام بتسجيلها وتدوينها، فمن الطبيعي أن من ينقل من هؤلاء الأشخاص ولا ينقل من فم الحسين الطاهر أو من شهود العيان الذين شهدوا المعركة وشهدوا مخيم الحسين ومعسكر ابن سعد، من الطبيعي أنه لا ينقل الحقائق.