حدث هذا الأمر في ثلاث مراحل أو اتجاهات:
أولاً: حصل تشويه للمصادر التي نقلت الحادثة، فلو أن حادثة الحسين وقضاياه نقلت كما وقعت في التاريخ ودونها المسلمون وأصبحت هذه الكتب شائعة ودرست كحلقة من حلقات التاريخ الإسلامي لتغير الأمر، لكن المصادر التي هي أقرب للحقيقة أُتِلَفت، والمصادر التي هي أبعد عن الحقيقة أُعتُمِدَت واعتبروها هي المصادر الأصلية.
الموضوع به مباحث تخصصية لا نذهب وراءها وإنما نحاول فقط الإستشهاد، فمن أقدم وأوثق المقاتل التي دونت قضية الحسين عليه السلام هو مقتل أبي مخنف لوط الأزدي، ومعنى مخنف: خنف وهو ميلان مقوسة، فأبي مخنف كان به ميلان في أنفه وقد ينتج ذلك بأن تكون مخارج الكلام غير واضحة عنده، فهذا الرجل توفي في عام ٥٠ للهجرة أي بعد شهادة الإمام الصادق عليه السلام بحوالي عشر سنوات، لذلك يعد من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام ومن معاصريه وكان متبحراً في التاريخ وثقةً ضابطاَ عنده ستون كتاباً حول قضايا التاريخ الإسلامي كواقعة كربلاء وواقعة صفين وواقعة الجمل وواقعة النهروان وبعض غزوات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعُدَّ أنه شيخ أخباريي أهل الكوفة أي شيخ المؤرخين ولديه كتاب حول مقتل الحسين وواقعة كربلاء، وهذا الكتاب يتمتع بميزات علمية متفوقة على سائر المقاتل لأنه نقل عن شهود عيان في كل منطقة، فقضية مسلم ينقلها عن أشخاص كوفيين عاصروا تلك المرحلة، وكذلك ما حدث في كربلاء فإنه ينقله عمن شهد معركة كربلاء من طف الحسين ومن طرف معسكر بني أمية، فهذا الكتاب وغيره من الكتب فُقِدوا من المكتبات و يقولون (وفقد مقتل أبي مخنف من المكتبات).
لماذا هذا الكتاب الذي ينقل أخبار وثيقة ودقيقة فُقِدَ دون غيره؟
الجواب هو: بالتتبع تبين أن هناك مجموعة من الكتب كان فيها أمور لم تكن السلطات ترضى عنها فبدأت بجمعها وإتلافها فعندما يأتي الجيل الآخر لا يجد هذا الكتاب لاسيما في تلك الأزمنة لم تكن هناك نسخ كثيرة من الكتب كما هو الآن فقد كانت كتب خطية من أراد نسخها يقوم بكتابتها، فأُتلِف ذلك الكتاب وبقي منه شيء وهو ما نقله المؤرخ محمد بن جرير الطبري وهو مفسر كبير من مدرسة الخلفاء وصاحب مذهب ويعتبر نفسه ليس أقل من أحمد بن حنبل ولا من الشافعي ولا من أبي حنيفة وكلامه في محله فلديه من تاريخ الرسل والملوك شيء كبير جداً ولديه من التفسير والفقه شيء كبير جداً وهو من غير الإمامية لكنه كان يُنصِف، ولذلك اتهم بالتشيع، فمثلاً هناك أحاديث عن فضل أمير المؤمنين عليه السلام كان ينظر لها بحسب أسانيدها فمتى صُحَّت فإنه يوردها وهو ليس شيعياً وقد توفي في عام ٣١٠ للهجرة، ويفترض أنه عاصر زمان الإمام الهادي عليه السلام وزمان الإمام العسكري وزمان الإمام المهدي ولم يكن قائلاً بإمامتهم ولا من تلاميذهم، لكن كان عنده إنصاف ولأجل هذا الإنصاف كان المتعصبون يهاجمونه ويرجمونه بالأحجار على باب بيته إلى حد أنه أغلق الباب عليه لا يخرج من داره أبداً إلى أن توفي ولم يدفن إلا ليلاً خوفاً من أن تهاجمه هذه الفرق المتعصبة وهذا مكتوب في تاريخه، هذا الرجل عثر على نسخة من مقتل أبي مخنف ونقل منها حوالي سبعين رواية حول كربلاء وما جرى فيها وهو ليست كل ذلك المقتل بل جزء منه، لكن هذا المقدار أعطى شيئاً واضحاً عن سيرة الحسين عليه السلام ممن عاصروا تلك الفترة وبنقل مؤرخين ثقات، وهذا الكتاب كان موجوداً واسمه تاريخ الطبري وينقل فيه قضايا من عام ٦٠ للهجرة إلى شهادة الإمام الحسين عليه السلام إلى مرحلة الكوفة ينقل روايات عن أبي مخنف، فجاء الخط الأموي وذهب وراء كتاب آخر ألفه رجل يسمى محمد بن سعد البغدادي وهو معروف بإبن سعد صاحب الطبقات وتوفي عام ٢٣٠ للهجرة ويسمى كاتب الواقدي، هذا الرجل أمره عجيب غريب والسبب في ذلك أنه عندما جاء إلى قضية كربلاء ومر على قضية الإمام الحسين عليه السلام (سيرته وحياته ومقتله)، وقام بتجميع بعض الأشياء واستبعاد الأحاديث والروايات التي يراها قاسية وغير ذلك، فهو لم يعتمد على رواة شهدوا الحادثة ، فعلى سبيل المثال لو قام شخص وتحدث عن حدث وقع في أمريكا وليس لديه شاهد عيان ينقل له هذا الخبر فهل سيكون نقله دقيقاً؟، لاسيما في تلك الفترة التي كانت في زمان العباسيين وهذا الرجل مرتبط بالعباسيين أيضاً لأن أجداده من موليين العباسيين كما يقال، فمن الطبيعي في ذلك الوقت كزمان المتوكل وما قبل زمانه أي بدءاً من الحقبة الصعبة (هارون الرشيد وما بعده )، من الطبيعي أن لا يكتب أشياء فيها إنصاف لأهل البيت عليهم السلام لأن التوجه العام للعباسيين كان توجهاً سيئاً.