الأمر فعلا مرعب، ومهول، لا توجد أي مصيبة سواء بالمعنى اللغوي او الاصطلاحي الا وهي مقدرة ومحسوبة.
يعني كل ما يصيب الإنسان، أي شيء يصيبه: مرض، عثرة، نجاح، فشل، خسارة مال، وغيرها.
لو فرضنا ان الانسان له ملف وأراد ان يكتب ملفه من أول حياته إلى أن يموت، ماذا أصابه من أمور، فإنه يحتاج إلى مجلدات.
ولو فرضنا إنك اليوم لا تريد تدوين ما الذي حدث لك، هذا تعبير آخر، (ما أصابك من مصيبة)، ماذا حدث لك؟ من الصباح عندما فتحت عينك إلى أن تنام، شيء كثير! فإذاً ستدون عمرك كله!!
وإذا فرضنا ان كل البشر في كل الأزمنة دونوا مجريات حياتهم هل لك ان تتخيل حجم تلك المجلدات، كمثال: يقال ان العالم بحدود ٨ مليارات، طيب، في هذه الفترة، لو تحسب من أول ما خلق الله الخلق إلى أن تقوم الساعة، وكل واحد من البشر، ماذا أصابه وماذا حدث له؟
شيء يستعصي علينا عده وحصره، لكن الله عز وجل يقول: (ما أصاب من مصيبة في الأرض)، ليس عندكم فقط، بل ما أصاب الحيوانات، والحشرات، والأشجار والأنهار والبحار، والأسماك، وغيرها وإلى آخره، أي شيء في الأرض أصابه شيء: شجرة قطعت، زلزال صار في مكان ما، هذا الحدث في هذه البقعة من الأرض، في كل أدوار التاريخ، أي شيء حدث من هذا، هو في ماذا؟
في كتاب، (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب). شيء كثير!
يقول: لا، (إن ذلك على الله يسير). لماذا نقول هذا الكلام؟ لماذا نصرح في القرآن بهذا؟
(لكيلا لا تأسوا على ما فاتكم).
نورد هذا المثال للتوضيح:
عندما تقول لأحدهم يا فلان والله لو كنت هنا قبل خمس دقائق، لكنت قد حصلت الجائزة.
هنا نقول له: لا، قبل أن تخلق، أنت مقدر لك، أن تأتي بعد خمس دقائق، عندما يغلقوا الباب، لا تتأسف.
أو: لولا أن فلان عطلني، لكنت وصلت، وقبلوني في العمل.
نعود ونقول له: لا، غير صحيح، فهو مقدر لك قبل أن تخلق، وقبل أن يخلق الكون، أنه إذا صرت ووجدت في هذه الدنيا، فستأتي في يوم من الأيام، متأخر عن الدوام، وتخسر المقابلة فلا تأسى على ما فاتك.
والله لو عملت كذا، لكان.
لا، غير صحيح، لا يوجد شيء من هذا القبيل، كل شيء مسجل في كتاب.
اذن القضية لا تستأهل الندم والأسف.
وأحيانا تذهب وتتعارك مع شخص، قد تكون زوجتك مثلا وتقول بسبب هذه المرأة تأخرنا، لو لم تأخرنا لما حدث ما حدث!
لا يا عزيزي، هذا الذي حدث ليس من قسمتك، وليس من رزقك، رزقك الذي كان سيصيبك، يصل إليك رغم كل شيء.
ورزقك الذي ليس من نصيبك، لو تناطح الجبال، فهو ليس لك.
لا تتأسف عليه، إذا تأسفت على شيء، تأسف على مراقي ومنازل، أنت تستطيع ان تحصل عليها ولم تحصلها، عمل معروف تستطيع عمله ولم تفعله.
إنفاق في سبيل الله ولم تصنعه، تبليغ للدين ولم تفعله، عمل إحسان لآخرين لم تفعله.
هذا هو ما يجب أن تتأسف عليه، (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم)
تجد أحدهم يقول: انظر أنا بعرق جبيني، عملت كذا!
أيضا نقول له: لا، لقد آتاك الله إياه، الله أعطاك القوة، وأعطاك الفكرة، ويسر الظروف، وأوصل لك هذا، فالله هو الذي آتاك.
لو قليل من الذكاء سلبه منك، فإنه لن يصلك، لو يدك التي تحرك فيها عضلاتك كانت مصابة بالمرض، والله عز وجل لم يعطيك القوة، لما وصلك هذا الرزق، ولو لم يرتب الله لك الظروف الخارجية بنحو أنت تستطيع أن تستفيد منه، لما جاءك هذا الرزق، فالذي آتاك كل ذلك هو الله، لا تفرح وتقول: أنا، أنا عملت، وهذا عرق جبيني، (إنما أوتيته على علم عندي) كما قال قارون.