أحيانا الإنسان يصبح قاروناً صغيِّراً، ذاك قارون كبير ويتظاهر (إنما أوتيته على علم عندي).
وأنا آتي وأقول: نعم، أنا بعرق جبيني لم يعمل أحد لي شيء، أنا إنسان عصامي.
لا يا عزيزي قل: (هذا من فضل ربي).
الله يريد أن يرى أنت تكفر بما أنعم به عليك أم تشكر؟!
موضوع البلاء والابتلاء والوباء من هذا يأتي.
من هنا يأتي الابتلاء والبلاء على خلاف ما هو في أذهان بعض الناس، ليس بشيء سلبي.
لقد ابتلى الله الناس بابتلاء، هذا لا يعني انه قد ورطهم وعمل لهم مشاكل.
لا، الابتلاء أصله هو التقليب.
مثال: تاجر النحاس، يأتي بقطعة النحاس، وتاجر الذهب، يأتي بقطعة الذهب، كلاهما يقلبان ويشخطان ويشاهدوها فيجدوها كلها صافية أو مغشوشة، وماهي نسبة الصفاء فيها، هنا تسمى: يبتلي.
أحيانا يحتاج مثل النار، يحمى عليه، أحيانا لا، يخطه خط، هذا يسمى ابتلاء.
الغرض منه: هو اختبار وكشف حقيقة ذلك الشيء، سواء كان نحاس أو ذهب أو إنسان.
ومن هنا نتساءل، فلسفة وجود الإنسان في هذا الكون، ماهي؟
(خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه).
لاحظ ماذا؟ (نبتليه)، نقلبه، نختبره، تأملها جيدا.
ليس لأجل أن الله يعلم بحقيقته، لا بل لأن الله سبحانه وتعالى – كما قلنا – يعلم بما سيجري عليه وما يخطط وما يصنع، (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد).
لكن حتى هو في هذه الدنيا يعرف مقداره، وإذا الله عز وجل وفقه وادخله الجنة، سنجده يقول: الحمد لله، أنا نجحت في الاختبار والابتلاء، وخرجت سالما، وإذا قصر في حق ربه، وأرسله إلى نار جهنم، فلا يقول: لا، أنا مظلوم.
لأنه في حينها سيقولون له:
تفضل لقد قدمت امتحاناتك كلها، ونتيجتها دوائر حمراء، في المال فشلت، في الجنس فشلت، في العبادة فشلت، في سائر الأمور فشلت، ماذا لديك؟ هل لديك شيء تطلبنا فيه؟
فالابتلاء هذا أصله، وهذا جوهره.
الابتلاء، بناء على هذا، ليس فقط في الأمور السلبية، بمعنى، يبتلي الإنسان بالشر، لا. (ونبلوكم بالخير والشر فتنة)، فتنة أيضا نفس المعنى: من الابتلاء.
إذا حمى النار على النحاس أو الذهب، يقال: فتنها، فتن القطعة الذهبية.
هذا الإنسان يبتلى بالخير ويبتلى بالشر، وترى بعض الناس في امتحان الخير قد يسقط، بينما في امتحان السوء قد ينجح.
في المرض يمكن يصبر، لكن إذا صار عنده أموال يشح بها، هذا في امتحان المرض نجح، لكن في امتحان الخير الظاهري فشل.
فإذن قضية الابتلاء أولا ليس مفهوما سلبيا، بمعنى: مصيبة ومشاكل.
ولذلك أحيانا يوصف بالبلاء العظيم، وأحيانا يوصف بمجرد البلاء، لأنه من الممكن أن يكون خفيفا، ومن الممكن أن يكون صعبا.
(نبلوكم بالخير والشر فتنة)، من الممكن أن يكون في الأمور الإيجابية، ومن الممكن أن يكون في الأمور السلبية.
والمراد من هذا هو أن الإنسان ماذا ينتج بعد ذلك؟!
هل الابتلاء والمصائب والمشاكل منا أو من الله عز وجل؟
البعض يأتي ويقول: كيف أن الله عز وجل من جهة يقول: وما أصابكم من مصيبة فمن الله، وفي مكان آخر يقول: فمن أنفسكم.
من جهة يقول: فبإذن الله، ومن جهة أخرى، يقول: فبما كسبت أيديكم، لم نفهم! هل هي من صوب الله، أو من صوبنا نحن؟
الجواب على هذا:
في النظام العام للكون، لا شيء يجري إلا بإذن الله، لا يوجد شيء، ولا حركة في الكون تحصل إلا بإذن الله، بأمر الله، بعلم الله، تحت نظر الله عز وجل، طبعا هذا ما ينتهي إلى الجبر، لكن عندما نتحدث عن المباشر، عند ذلك يصير: فبما كسبت أديكم، بل (ويعفو عن كثير)، كل شيء في الكون.