فإذن القرآن الكريم يشمل كُل شيء يحتاجُهُ الإنسان في ما يرتبط بقضيةِ الحياةِ القويمة، بعلاقتهِ بالله، بعلاقتهِ بالناس، بكيفيةِ العيش عيشةً راضيةً هنية، فهذا كُلُه موجود في القرآن الكريم “وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ” في هذه الدائرة.
فليس المطلوب من القرآن مثلا أن يُوضح كيف تكون صناعة الطيارات، أو كيف يُستخرج النفط، أو كيف يكون شكلُ البناء، فهذهِ ليست في دائرةِ “كُلِّ شَيْءٍ” التي جاء بها القرآنُ الكريم.
وعليهِ فإنه لا يُفترض بإنسانٍ أن يسأل مثلا عن سبب عدم وجود أسماء الأئمةِ مثلا في القرآن، أو ما شابهها من الأسئلة. إحدى الرسائل اليوم كانت تسأل عن الدليل على أن القطة وبرُها وشعرُها مُفسدٌ للصلاة؟ فالقطة - بحسب حديث السائِل - لطيفةٌ وناعمةُ الملمس وهكذا، فكيف تُفسد الصلاة؟ وهذا السائل يقول بأنه لم يجد دليلا في القرآن أو الروايات عن هذا الحُكم. فأجبت بأنهُ صحيحٌ أن القرآن الكريم لا يحوي دليلا على هذا، ولكنّ الروايات ففيها الشيءُ الكثير من ذلك وذكرتُ الرواية المعروفة عن الإمام الصادق (ع) “إن الصلاة في وبر كل شئ حرام أكله فالصلاة في وبره وشعره وجلده وروثه وألبانه وكل شئ منه فاسدة، لا يقبل الله تلك الصلاة حتى يصلى في غيره مما أحل الله أكله” فرَدّ السائل بأن الإمام (ع) لم يأتي بعنوان القط أو القطة بعينها، فأجبت من بابِ المفاكهة بأنهُ كان ينبغي أن يذكُر الإمام (ع) نوعُ القطة أيضا هل هي قطةٌ أمريكية ام فارسية، لونها أصفر أم أسود. هذا العنوان “ما لا يؤكل لحمه” سواء كانت قطةً أم نمر أم أسد وأمثال ذلك مما لا يؤكل فلا ينبغي أن يتعلق وبرُه وشعرُه في الثوب أو البدن أثناء الصلاة، صحيح أن بعض العلماء رأى أن الشعرة والشعرتين لا تضر لأن الرواية تقول “فالصلاة في وبره وشعره” تعني أن يكون هذا الشعر بكمية يُعتدُ بها، وأما البعض الآخر من العلماء فقال بأن الرواية تصدُق على الشعرة الواحدة، وعلى الخمسون شعرةً أيضا.
توضيح الأئمة (ع) للقضايا المجملة في القرآن ليس اجتهادًا منهم وإنما هو علمٌ ورثوه من النبي (ص):
فالشاهد أنه لو كانَ هناك إجمالٌ في قضيةٍ ما في القرآن الكريم، فإن الطريق إلى تلك القضية هو النبي (ص) وعترته (ع)، وهم يفصِلون لنا القضية من القرآن الكريم أيضا وليس من تلقاء أنفسهم. الإمام الصادق (ع) سألهُ شخص “أرأيتَ إن كانَ الأمرُ كذا فنقولُ فيهِ كذا” أي هل بالإمكان أن نأتي برأيٍ من عندنا؟ أنا أعتقد بأن الحكم سيكون هكذا، فقال له الإمام (ع) “دعنا من أرأيت، لسنا من أرأيت في شيء، إنه علمٌ، هي أصولُ علمٍ نتوارثُها عن جدنا رسول الله (ص)” أي أن هذا الكلام نحنُ الأئمة لا نأتي به من تلقاءِ أنفُسِنا.
بل أكثر من هذا ما يقولهُ الإمام الباقر (ع) وينقُلُه الشيخ الكُليني في الكافي “إذا حدثتُكُم بشيءٍ فسلوني أين هذا من كتابِ الله” حتى يُبين للناس أن الأئمة (ع) استنادهم إما لعلمِ رسول الله (ص) وإما يؤول للقرآن الكريم. فمَرّ الإمام في حديثه فقال “إن رسول الله نهى عن القيل والقال، وإفساد المال، وكثرة السؤال” فسألهُ الناس أين هذا من كتاب الله؟ فقال (ع) إن الله نهى عن القيل والقال في قوله تعالى “لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ” النجوى هنا تعني الحديث بين شخصين، أو السر المتبادل بينهما فالله يقول أن كثيرٌ من هذا الحديث لا خيرَ فيه إلا إذا كان في أمورٍ نافعة مثل الأمر بالمعروف. وأما النهي عن إفساد المال ففي قوله تعالى “لا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما” فهذا إفسادٌ للأموال بأن تُعطيها للشخص السفيه. ويأتي النهي عن كثرةِ السؤال في قولهِ تعالى “لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ” فهناك أسئلة كثيرة لا فائدة لها، أحيانا قسم من الناس يسأل لمجرد أن يُثبِت لأصحابه أنه ما قالهُ هو الصحيح وأن الآخرون مُخطِئون، أو يسأل الآخر مثلا ماهو اسم أم موسى (ع)، فليس هناك فائدة علمية من أمثالِ هذه الأسئلة أو غيرها من الفوائد.