٢٢ هل في القرآن تبيان كل شيء ؟

٢٢ هل في القرآن تبيان كل شيء ؟
00:00 --:--

النحو الثاني يقول أنَّ المقصود بالكتاب هو القرآن الكريم، لأن القرآن الكريم تم الحديث عنه بعنوان الكتاب في القرآن كثيرا فقال الله “الم، ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ”، “حم، تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ”، “وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ”، “وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ”.
هذا الرأي يقول أن المقصود بالكتاب هنا هو نفسُ القرآن الكريم، وليس الكتاب الآخر الذي يُعبر عن علم الله عز وجل.

• وهنا نجدُ اتجاهين في هذا الرأي:
الاتجاهُ الأول يقول أنَّ هذا القرآن هو تبيانٌ لكل شيء، ولم يفرط الله فيه من شيء، أي كُلُ العلوم موجودة في القرآن الكريم، فهو مثل خزانة تحوي صناديق متعددة، أول صندوقٍ فيها مفتاحُهُ لدى عامّة الناس، الصندوقُ الثاني مفتاحُه لدى مجموعةٍ معينةٍ من الناس، وهكذا الصُندوقُ الثالث، آخر صُندوقٍ مفتاحُه لدى مُدير البنك مثلا. وهكذا القرآن الكريم عامّةُ الناسِ لهُم التدبر والمعاني الظاهرية والأخلاقيات والأحكام الشرعية في ظاهِرها وأمثالُ ذلك، وأمّا ما بعد ذلك من علومٍ هائلة فلها أُناسٌ وأهلٌ أعلمُ بها.
وهناك من يؤيدُ هذا الرأي أيضا من أتباعِ مدرسةِ الخُلفاء، القرطُبي ينقُلُ عن ابن مسعود في تفسيرِ هذه الآية أنَّ القرآن الكريم فيهِ كُلُ العلوم، فكُلُ ما يحتاج إليه الناس من علوم فهي موجودةٌ في هذا القرآن.

الاتجاهُ الثاني أن المقصود هنا ليس كُلُ العلوم، وإنما كُلُ شيءٍ يتناسبُ مع غرضِ القرآنِ وهدفِه، وهذا موجودٌ في المحاورات العُرفية.
مثلا لنفرِض أن أحدهم وصف لكَ مستشفى وقال بأن هذا المستشفى يحوي كُل شيء، وأنّ كُلَّ شيءٍ موجودٌ فيه، فتسأَلُه إذن أستطيعُ تبديل إطاراتِ السيارةِ فيه؟ هل توجد فيه طيّارات؟ فيُجيبك بالنفي، ويُوضِحُ لك بأن المقصود هنا أن المستشفى يحوي كُل العيادات المتنوعة والأطباء، ففيهُ كُلُ شيءٍ مما يتناسبُ مع معنى المستشفى.
وهكذا لو ذهبت لمركزِ تموينات ورأيتَ أنَّ كُلَّ شيءٍ موجودٌ فيه، فهل هذا يعني أنهُ يحتوي جامعةً للدراسة مثلا؟ طبعًا لا، وإنما المقصود أنه يُوفر كُل ما يرتبط بأمور مراكز التموينات.
فإذن هذا الاتجاه يرى أن “تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ” لا تعني مثلا كيفية استخراج النفط، أو كيفية إصلاح الكهرباء، فهذه ليست دائرةُ حيطةِ القرآن الكريم، دائرةُ حيطةِ القرآن ترتبط بحياةِ الإنسان على المنهجِ القويم والصراطِ المستقيم من عقائد، شرائع وأحكام، أخلاق وأنظمة في التعامل، وهكذا كُلُ شيءٍ يرتبط بـ “إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ”.

وهذا إما أن يكونُ بشكلٍ مفصّل مثلُ بعضِ آياتِ الميراث، أو قضايا العقيدة في الله عز وجل، وبعض قضايا الأخلاق التي جاءت بشكل تفصيلي في القرآن، وأيضا بعض القضايا التي جاءت بشكلٍ مُجمل ولكن مع تعيين الطريق إليها فقال “وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا” يعني النبي محمد (ص).
فالمواضِع التي تحتوي إجمالًا، أو اختصارًا، أو عدمَ تفصيل فإن القرآنَ أعطى الطريقَ إليها وهو النبي (ص). 

نجدُ الآن كُلُ الناس قد اعتادت على الأجهزة الإلكترونية، وعلى استخدام الإنترنت، فلو رأيت مقالا في الإنترنت، ووجدت كلمةَ “الإرث” فيه، وأردت أن تتعرف على معنى هذهِ الكلمة، بعضُ المواقعِ الإلكترونية تُتِيحُ لك خيارًا بالضغطِ على هذهِ الكلمة وتنقُلُكَ إلى صفحاتٍ أُخرى تُوضح معنى هذه الكلمة وكُل ما يتعلق بها. أيضًا لو رأيت اسم شخصيةٍ ما في هذا النوع من المواقع، فإن الضغط عليه ينقُلُكَ لصفحةٍ أخرى تحتوي سيرةَ ذلك الشخص.

الطريق لمواردِ الإجمال والاختصار في القرآن الكريم:
وهكذا القرآن الكريم في موارد الإجمال والاختصار عرّف الإنسان بالطريق إليها وقال أن الطريق إلى ذلك هو النبي محمد (ص)، والنبي (ص) بدورِه قال أيضًا أن ما أوضحتُهُ بشكلٍ كامل فقد اتضح، وأما ما لم تُتِح ليَ الفرصةُ بتوضيحه فإن الطريق إليه هو عترتي أهلُ بيتي (ع).

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٢

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة