٢٢ هل في القرآن تبيان كل شيء ؟

٢٢ هل في القرآن تبيان كل شيء ؟
00:00 --:--

نستنتج إذن أن هذا القرآن فيهِ تبيانُ كُل شيءٍ فيما يرتبطُ بدائرتِه وبمحيطِ اهتمامه، وهذا موجودٌ عند الأئمةِ (ع) وقبلهُم رسول الله (ص). نوردُ بعض الأمثلة على ذلك والتي تُبين كيف أن أئمة الهدى (ع) أشاروا إشاراتٍ لِيُبرهِنوا للناس بأن ما يُخبرون به هو ليس اجتهاد، وإنما هو حُكُمُ الله الواقعي والمعصوم يُنبِئُ عنه. الاجتهاد الخطأ واردٌ فيه، أي مُجتهد مهما بلغت درجتُه فإنهُ يحتمل أن يصلَ إلى الحق ويُحتمل أن لا يصل إليه، لذلك ترى علماؤنا يضعون في نهاية فتواهم جملة “والله العالم” أي أن هذا العالِم بذلَ جُهدهُ بمقدارِ ما يستطيع ولكن هذا لا يعني أن هذه النتيجة هي الأكيدة. ولكن النبي (ص) والأئمة (ع) ليس لديهم احتمال الخطأ فما يُخبرون به ليس من الاجتهاد وإنما هو علم يُنبِؤون به.

أمثلة على أنَّ علم النبي (ص) والأئمة (ع) ليس اجتهادًا من أنفُسِهِم:
المثال الأول لدينا في القرآن الكريم “إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا” المطلوب هنا هو السعي بين الجبيلين الصفا والمروة ولكن هل نبدأ من الصفا أو المروة؟ أو لا فرق بينهما؟ الإمام هنا يُصر على البدأ من الصفا، وتسعى إلى المروة لتُكمل شوطًا واحدًا، وذلك لأن الله بدأ بالصفا في الآية المباركة، وهذا يرتبط بالترتيب، فترتيب كلمات الآيات ترتيبٌ توقيفي، وترتيب الآيات فيما بينها أيضا ترتيبٌ توقيفي قام بهِ رسولُ الله (ص). فهناك إذن عنايةٌ خاصّة لِكُلِ كلمة، ولذلك نجد أن ترتيب كلمة “الصفا” على كلمة “المروة” في الآية هو ليس ترتيب عشوائي، والإمام عالِم بهذا.

المثال الثاني أيضا نرى أن ترتيب الآيات فيما بينها يُشير إلى ترتيب الأعمال، لدينا في زكاة الفطرة الواجب أن تُخرجَ الزكاة ثم تُصلي، فلو فرضنا أن أحدهم صلى صلاةَ العيد وأراد إخراج الزكاةِ بعد صلاته، هذا المال الذي أخرجه بعد صلاة العيد يُعد صدقةً عامّة، ولا يدخل في باب الزكاة. هذا الترتيب جاء من قولهِ تعالى “قدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى”.

المثال الثالث أحيانا أيضًا الجمع بين آيتين يؤدي إلى حُكمٍ معين، نذكر هنا قصةً امرأةٍ حدثت في زمن الخليفة الثاني، جاء زوجها للخليفة يقول أنهُ تزوجها منذ ستة أشهر وأنها ولدت لهُ ولدًا، فهل خرج الرضيعُ قبل أوانه أم أنها جاءت بما لا يرضي الله قبل زواجهما بثلاثة أشهر؟ أكثرُ الناس قالوا بأنهم لم يُصادفوا مثل هذه الحادثة من قبل، لذلك فإنها خيانة، والمرأة تبكي وتنكر ذلك، فسُئِل أمير المؤمنين (ع) وهو كاشف الكربِ عن رسول الله (ص) بسيفه وكاشفُ الكربِ عن المؤمنين بعلمِه، فاستحضرها فقالت “واللهِ يا أبا الحسن ما جرت عليّ ريبة، وما عرفتُ رجُلاً قبله واللهُ شاهدٌ على ما أقول” فقال اتركوها وجمع بين الآيتين “وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا” و “وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْن” أي ٢٤ شهرًا، أي أن أقل مدةٍ للحمل هي ستةُ أشهر، وهذا دليلُ براءةِ المرأة، ونَسَبَ الولدَ إلى والديه، ونجّاها من التُهمة وربما من الحد.

المثال الرابع في مسألة القصر في الصلاة وهل أنهُ عزيمة، بمعنى أنهُ لا بد منهُ في السفر أم أنهُ رخصة، بمعنى أن الإنسان مُخيرٌ فيه؟ كثير من أتباع مدرسة الخلفاء يقول بأنها رُخصة، ولكن الإمامية يرون أنها عزيمة، وهذا من القرآن الكريم في الآية “فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ” أي أنكم لن تُعاقبوا للقصر في الصلاة، والإمام يقول لاحظوا استخدام القرآن لجملة “لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ” في آية السعي “فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا”. في هذه الآية السعي إلزامي والإنسان ليس مُخير فيه، وينطبقُ هذا على آية القصر في الصلاة أيضا.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٢

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة