جمع القرآن في رؤية الشيعة الامامية ٣

جمع القرآن في رؤية الشيعة الامامية ٣
00:00 --:--

إذن إن أردنا ترتيب القرآن ترتيبًا تاريخيًا، المفترض أن تكون هذه السورة هي الأولى. ثم نظر إلى السورة الأخرى التي نزلت بعدها في قضية رجوع النبي صلى الله عليه وآله إلى بيته وهي سورة المدثر (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ”)[٤]، فتكون هذه السورة هي الثانية، السورة الثالثة بحسب الترتيب سورة نون ( ن ۚوَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ”)[٥]، تأتي بعدها سورة المزمل (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ”)[٦] وهكذا. 

   وكما قلنا في وقتٍ مضى، أن ترتيب السور في هذا القرآن الذي هو موجود بين المسلمين ليس ترتيبا توقيفياً، أي لا يوجد دليل على هذا الترتيب وإنما هو أمر تم التعارف عليه، وهو الترتيب الذي حصل في زمان الخليفة الثالث كما هو مشهور، ورُتب على أساس حجم السور، أولا بدأوا بالسبع الطوال كما يسمونها، البقرة، آل عمران، النساء وهكذا، ثم بعدها تأتي الِمئون وهي السور التي آياتها حوالي المئة، ثم بعدها قصار السور فالترتيب هنا كان على أساس كمي وعلى أساس عدد الآيات في كل سورة، الطوال ثم المتوسطات ثم القصار.

 فائدة الترتيب التاريخي للقرآن الكريم:

   هناك فرق بين أن يكون الترتيب في القرآن الكريم على أساس تاريخي وأن يكون على أساس كمي، الترتيب التاريخي ينقل للإنسان تطور مرحلة الدعوة الإسلامية وحركة النبي صلى الله عليه وآله شيئاً فشيئاً، وكأنك تُرافق النبي صلى الله عليه وآله من الناحية التاريخية، وفي هذا الترتيب منافع عظيمة، ولذلك بعض علماء القرآن، حتى من مدرسة الخلفاء، يقولون أنه لو كان الأمر على طبق الرواية من أن عليًا عليه السلام رتب القرآن كما أُنزل من الناحية التاريخية فإن فيه علمًا كثيرًا جدًا فات الناس.

   لنأخذ على سبيل المثال لو كنت أنت طبيبًا، يأتي إليك مريض، أن تعرف تاريخ مرضه من ١٠ سنوات أو ١٥ سنة مثلا بدأ يعاني من كذا ثم بعدها بسنتين تطور الحال إلى كذا، أنت كطبيب تكون الرؤية لديك واضحة من ناحية تطور المرض في هذا المريض. نفس الكلام ينطبق على شجرةٍ تُريد أن ترعاها، أو مجتمع من المجتمعات تريد دراسته، كيف تطور تاريخيا، كيف تطورت أخلاقه أو علمه. 

   التاريخ مهم جدًا، فلو تعرفت على تاريخ هذه السور، وكيف تماشت مع الدعوة الإسلامية ومع رسالة النبي صلى الله عليه وآله سيكون لديك رؤية واضحة جدا، ولكن ما حصل كان غير هذا. 

السؤال هنا هو أين ذهب هذا القرآن الذي رتبه الإمام علي عليه السلام)؟! سنتحدث عن هذا الأمر فيما بعد، وسنتطرق إلى أنه نعم الأصل في هذا القرآن الذي نقرؤه هو نفس الكتاب الذي كتبه علي عليه السلام، وما حصل فيه من تغيير من قِبَل الخلفاء هو تقديم وتأخير في قضية السور وترتيبها فقط، وهذا سنتحدث عنه إن شاء الله في وقت آخر أيضاً.

 ضمانات عدم تغيير القرآن الكريم:

   هذا الترتيب وهذا الاهتمام وهذا الجمع من قِبَل علي عليه السلام باهتمام رسول الله يتوافق مع كل الأمور التي ذكرنا جانبها الآخر في حين قلنا أنه لو أن النبي لم يكتب ولم يأمر بالكتابة ولم يجمع القرآن في زمانه لكان ذلك يُعد والعياذُ بالله تضييعًا لأهم قضية تربط الأمة وهو القرآن. 

   بناءً على هذه النظرية، الله عز وجل أوحى، الوحي جاء لرسول الله صلى الله عليه وآله لفظ، وعلي عليه السلام كتب. وليس أي كاتب وإنما كاتب معصوم، وليس كاتب ينقل عن شخص آخر أو بعيد عن النبي صلى الله عليه وآله، بل لصيق برسول الله من اليوم الأول للبعثة. ونقل عن النبي أنه قال ( من أراد أن يقرأ القرآن غضا فليقرأه كما يقرأه ابن أم عبد ) أو قراءة أُبي أو فلان أو فلان، ولكن هؤلاء كلهم جاؤوا فيما بعد، وأخذوا القرآن ونقلوه، ولكن شتان بين من سمع رنة الشيطان في أول وحي، وبقي مع النبي إلى أخر لحظة عند رأسه، وكان في هذه المدة لا يُفارقه، وبين غيره، هذه ضمانة أكيدة. 

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٢

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة