عند اليهود، عامةُ الناس لا شأن لهم بالتوراة، من لهم شأن بالتوراة ويكتبونها ويحفظونها هم الفئة الدينية، وغيرهم لا شأن لهم بذلك، ولكن المسألة تختلف عند المسلمين، فالإنسان المسلم مسؤول عن كتابه المنزل في قراءته وحفظه وتلاوته وتعلمه، وكانوا يتعلمون ذلك ويحفظونه ويتدارسونه.
رؤية المدرسة الإمامية في جمع القرآن:
في الزمن الأول إلى وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله نجد أن أعداد من سمع القرآن وتلاه وحفظه ليست بالعشرات، بل بالمئات، وهذا ما بيناه سابقا أنه حتى بناءً على روايات المدرسة الأخرى فيما حدث في معركة اليمامة والإخبار بأن المسلمين فقدوا أو استُشهِدَ منهم ٧٠ حافظًا من حفظة القرآن الكريم، فهذا عدد من استشهد من حفظة القرآن،وليس كلهم، فليس كل من حضر المعركة استشهد، قسم من الحفاظ استشهدوا وقسم لم يُستشهد، قسم من الناس أصلا لم يذهبوا للمعركة، وقد كانوا من الحفاظ أيضاً، لا سيما قسم النساء والكبار وغيرهم.
فكان عدد الذين جمعوا وحفظوا القرآن من الزمن الأول لاسيما مع كثرة تأكيد الرسول صلى الله عليه وآله على ذلك عدد كبير، ولذلك يتعجب الإنسان عندما يرى هذه الصورة التي تنقلها الكتب التاريخية حول قضية الجمع، وكأنما القرآن قد ضاع، فحين يقولون أيها الناس من سمع آية من القرآن فليأتي ويسجلها، أو من سمع من النبي آية فليبادر بتسجيلها، ويطلبون شهود للتأكيد على كلام من سمع الآيات، فليس الأمر هكذا أبدا.
في رؤية مدرسة الإمامية، القرآن وصل في كل عصر إلى أعلى درجات التواتر، مئات في زمان رسول الله وما بعد زمانه قرأوا القرآن وحفظوا القرآن واهتموا به، لذلك لو قال شخص أنا أروي القرآن وطريقي إليه بسند عن فلان عن فلان عن فلان، نجيب عليه بأن هذا ظلم للقرآن، لأن هذا الكلام يفتحُ باب التشكيك في القرآن الكريم.
الصحيح هو ما ذهب إليه الإمامية من أن القرآن إنما تُلقي من الله عز وجل عبر جبرئيل إلى رسول الله إلى إمام معصوم وهو أمير المؤمنين عليه السلام، كتبه من فم رسول الله صلى الله عليه وآله ، وليس زيد بن ثابت أو فلان من جمع القرآن ورتبه وأحصى آياته، لأنهم غير معصومين ومن كان غير معصوم لم يُؤمن منه تطرق الخطأ، وإنما كتبه علي عليه السلام، فقد كان ملازمًا لرسول الله صلى الله عليه وآله من أول الأيام التي لم يكن فيها كُتاب وحي إلى الدرجة التي يقول فيها الإمام علي عليه السلام في القطعة الموجودة في نهج البلاغة ( وقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وآله بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ والْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ، وَضَعَنِي فِي حِجْرِه وأَنَا وَلَدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِه، ويَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِه ويُمِسُّنِي جَسَدَه، ويُشِمُّنِي عَرْفَه، وكَانَ يَمْضَغُ الشَّيْءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيه، ومَا وَجَدَ لِي كَذْبَةً فِي قَوْلٍ ولَا خَطْلَةً فِي فِعْلٍ، ولَقَدْ قَرَنَ اللَّه بِه صلى الله عليه وآله مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَتِه، يَسْلُكُ بِه طَرِيقَ الْمَكَارِمِ، ومَحَاسِنَ أَخْلَاقِ الْعَالَمِ لَيْلَه ونَهَارَه، ولَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُه اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّه، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلَاقِه عَلَماً، ويَأْمُرُنِي بِالِاقْتِدَاءِ بِه، ولَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ، فَأَرَاه ولَا يَرَاه غَيْرِي، ولَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الإِسْلَامِ، غَيْرَ رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وآله وخَدِيجَةَ وأَنَا ثَالِثُهُمَا، أَرَى نُورَ الْوَحْيِ والرِّسَالَةِ وأَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ، ولَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ - رنة بمعنى صوت صُراخ وانزعاج -حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْه صلى الله عليه وآله فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّه مَا هَذِه الرَّنَّةُ، فَقَالَ هَذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِه، إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ وتَرَى مَا أَرَى، إِلَّا أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ ولَكِنَّكَ لَوَزِيرٌ”)