الفرق هو أن نفس هذه الحروف كيف أجمعها في كلمة، وهذه الكلمات كيف أجمعها في جملة، ولذلك لا بد أن تكون هذه الحروف نحو جمعها، فيما هي كلمة واحدة، وفيما هي في كلمات، لا بد أن تكون من قبل الوحي، لا بد أن يكون من عند الله، ارتباط هذه الآية بالآية التي قبلها والآية التي بعدها أيضا كذلك،. لأنه أحياناً تغيير الكلمة في الجملة، وتغيير الجملة في موضعها بين هذه الجمل، قد يغير المعنى تغييرا كاملا.
فمثلاً قم بتكوين جملة واحدة، وحرّك في ترتيب مواضع الكلمات فيها، الكلمة الأخيرة ضعها في الأول والتي في الأول ضعها في الأخير والتي في المنتصف غير موقعها كذلك، فستلاحظ أن المعنى تغير تماماً.
كذلك بالنسبة لترتيب الكلمات في الآية، وترتيب الآيات فيما بينها تقديماً وتأخيراً بالإضافة إلى ما ورد الإخبار عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يأمر هو مقتضى الاعتبار، فلو تغير يتغير المعنى ويحصل التحريف، وأحياناً لا يكون لهذا الكلام معنى أصلاً، مع أن الكلمات هي نفس الكلمات، إذا تغير ترتيبها واختلف.
فإذن الآيات فيما بينها والكلمات فيما بينها ترتيبها ترتيب من الوحي من الله عز وجل.
اختلف الباحثون في عدد آيات القرآن الكريم ، فهل هذه دلالة على أن القرآن فيه زيادة أو نقيصة؟
ذكرنا أن أجزاء القرآن الكريم هي ٣٠ جزءًا وعدد السور هو ١١٤ سورة وإن كانت بعض السور في خصوص الصلاة سورتان تحسبان بسورة واحدة مثل سورة الفيل وقريش وأمثالها، لكن كعدد هو ١١٤ سورة.
أما بالنسبة للآيات، ذكروا أن آيات القرآن الكريم، ما بين ٦٦٦٠ كحد أعلى و ٦٢٠٠ آية كحد أدنى ويتبين أن الفرق بين العددين يصل إلى ٤٠٠ آية، كيف هذا؟ هل هذا معناه أن القرآن ناقص؟
لا، ليس الأمر كذلك، فحتى الذين اختلفوا في عدد آيات القرآن الكريم اتفقوا على أنه لا يوجد اختلاف بينهما لا نقيصة ولا زيادة، إذن من أين الاختلاف؟
قالوا: جاء الاختلاف من أمور عارضة، من تلك الأمور:
١-حساب أو عدم حساب البسملة كآية من الآيات، عندنا البسملات في أوائل السور: ١١٣ بسملة، في أوائل السور مع ضم ما هو موجود في داخل سور النمل: (إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)[٥] يكون المجموع ١١٤ بسملة. لكن في بدايات السور هو ١١٣ بسملة لـ ١١٤ سورة، نظراً لأن سورة التوبة المعروفة بسورة براءة، ليس في مطلعها بسملة، فقسم من المسلمين، لم يعدوا البسملة آية، خلافاً لمدرسة أهل البيت التي تقول أن البسملة هي أعظم الآيات، ففي حديث عن الإمام الصادق عليه السلام يقرعهم وينعى عليهم، يقول: "عمدوا إلى أعظم آية في القرآن الكريم فرفعوها أو حذفوها)، هذه البسملة ( بسم الله الرحمن الرحيم ) هي عنوان، كانوا يقولون: كنا لا نعرف سورة عن سورة إلا بالبسملة، لأنها الفاصلة بين هذه وتلك، فإذا جاء جماعة، كما عليه قسم من المسلمين ولم يعدوا البسملة آية، هذا يؤثر في العدد بلا إشكال.
٢- عندما تمت كتابة القرآن الكريم في وقت متأخر وتم رسم الأعداد في نهاية الآيات، اختلفوا في هذا في بعض الأماكن، قسم من الذين كتبوا القرآن،بالمناسبة كتابة القرآن تعلمون انها ليست كتابة توقيفية، ولذلك ورد فيها بعض الأخطاء من ناحية قواعد الإملاء والإعراب وهذا لا يضر فيها، ولكن عندما كتبت في المصحف الذي اعتمد على مستوى الأمة في زمان الخليفة الثالث، كان فيه أخطاء إملائية، كان معلوم في ذاك الوقت هذا الأمر، حتى أن الخليفة التفت إليه، ولكن عندما سئل أمير المؤمنين عليه السلام كما ورد في الرواية، لم يشأ أن يبقي باب التعديل مفتوح مما يعرض القرآن من قبل آخرين للجرأة على النص، فصار فيما بعد قضية التنقيط وقضية التشكيل ووضع الحركات، نتحدث عن هذا إن شاء الله، وعن دور من كان على وفق مدرسة أهل البيت، الدور العظيم الذي قاموا به في هذا الشأن، حتى صار المصحف الذي هو موجود الآن.