جعل الإخلاص أولياً لها وعمقاً فيها، وضمن القلوب موصولها، بالرغم من أن المعرفة الكاملة والشاملة متعسرة على الإنسان، لكن المعرفة الفطرية الموجودة في داخل قلب كل إنسان موجودة من الله عز وجل، قد ضمّن الله سبحانه و تعالى هذه المعرفة قلوب الناس وفطرتهم.
(وأنار في التفكر معقولها) لذلك إذا أراد أحد ان يعرف ربه ينبغي ان يعمل عقله بمقاييسه، يحتاج إلى تفكر ويحتاج إلى تعقل، هنا نأتي إلى مبحث عقائدي لاحظوا كلمات السيدة سلام الله عليها لم يقلها غيرها ومن غير المعصومين في ذلك الزمان، هذه البحوث العقلية الدقيقة ما كان يعرف أولئك المسلمون هذا التعريف والوصف البلاغي البديع لله تعالى ( الممتنع عن الابصار رؤيته ومن الألسن صفته ومن الأوهام كيفيته ) ثلاث مراحل تتحدث عنها السيد الزهراء سلام الله عليها أنّ ربنا سبحانه وتعالى يمتنع على بصر كل ذي بصر أن يراه في الدنيا وفي الآخرة إذ لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار، لماذا ممتنع؟ لأنه إذا تطبق عبارة تفكر في معقولها تقول هنالك شروط يفرضها العقل للرؤية، إذا أنت تريد أن ترى أي شيء هنالك شروط يفرضها العقل لرؤية الاشياء:
الشرط الأول
أن يكون في جهتك وانت في جهته، فلو فرضنا أنك أردت أن ترى الجدار الذي في خلفك لا تستطيع لماذا؟ لأنك لا تنظر إليه الآن وليس هو في جهتك.
الشرط الثاني
أن هناك عندنا عدة نظريات، هنالك نظرية أن النور يخرج من العين باتجاه الشيء المرئي، النور الصادر من مصدر كالشمس مثلاً فهو ينعكس على شبكية العين فترى العين الأشياء.
نأتي إلى قضية الله عز وجل هل أن الله سبحانه وتعالى هو موجود في جهة بحيث أنا باستطاعتي النظر إليه أم أنه كله أمامي فأراه او أرى جزء منه؟ إذا كان كله أمامي يعني أنه في جهة وقد خلت منه باقي الجهات، فحينما يقول إنسان انه يرى الله ، أين ترى الله؟ هل تراه في السماء؟ فمهن ذلك أنه ليس في الارض، وإذا في الأرض يعني أنه ليس في السماء، لذلك هو ممتنع عن الابصار رؤيته، فهذا لا يحتاج لوجود دليل نقلي بل يكفي التفكر في معقول هذه القضية، وهذا مخالف لما تقوم عليه مدرسة كاملة من مدارس المسلمين من رؤية الله في الجنة بل بعض الفرق تقول أنه بالدنيا ممكن رؤيته.
استحالة رؤية الله في الدنيا والآخرة:
عندنا القرآن الكريم صريح حيث يقول تعالى مخاطباً نبي الله موسى عليه السلام : ( لن تراني)[٢] أنت نبي من الأنبياء العظام ومع ذلك لن تتمكن من الرؤية مطلقاً فـ ( لن) مؤبدة ولا تدركه الابصار وهو يدركه الأبصار، ممتنع أيضاً من الألسن صفته لا يمكن لأي بليغ من البلغاء أن يصف الله عز وجل بتمام صفته، لماذا؟ لأن صفة الشيء موقوفة على رؤيته او تصوره، فأنت إذا أردت ان تصف نخلة ينبغي أن تراها ثم تقول فيها جذع ومن أعلاها سعف فيها عذوق، أنت رأيتها والصورة ارتسمت في ذهنك فالآن أنت توصف هذا المرسوم في ذهنك إلى الخارج فإما أنك تكون قد رأيت هذه النخلة او أحدهم وصفها لك وصف دقيق، إذا ممتنع من الابصار رؤيته كيف يتم وصفه؟! إذا لم نكن نحن نعلم عن حدود الله عز وجل عن ذات الله عز وجل لا نحن ولا الأنبياء ولا غيرهم بتمام الصفة ، فكيف نستطيع أن نصفه؟! ممكن نقول أشياء لكن هذه لا تعكس حقيقة الله عز وجل، لأن صفة الله كصفة أي شيء فرع عن رؤيته أو معرفته بحدوده ذلك ممتنع من الأوهام كيفيته،