التوحيد في خطبة فاطمة الزهراء عليها السلام
تفريغ نصي الفاضل رضا الرشيد
صياغة الأخ الفاضل عبد العزيز العباد
المقدمة:
( الْحَمْدُ للهِ عَلى ما أنْعَمَ، وَلَهُ الشُّكْرُ على ما أَلْهَمَ، وَالثَّناءُ بِما قَدَّمَ، مِنْ عُمومِ نِعَمٍ ابْتَدَأها، وَسُبُوغ آلاءٍ أسْداها، وَتَمامِ مِنَنٍ والاها، جَمَّ عَنِ الإحْصاءِ عدَدُها، وَنأى عَنِ الْجَزاءِ أَمَدُها، وَتَفاوَتَ عَنِ الإِْدْراكِ أَبَدُها، وَنَدَبَهُمْ لاِسْتِزادَتِها بالشُّكْرِ لاِتِّصالِها، وَاسْتَحْمَدَ إلَى الْخَلايِقِ بِإجْزالِها، وَثَنّى بِالنَّدْبِ إلى أمْثالِها، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، كَلِمَةٌ جَعَلَ الإْخْلاصَ تَأْويلَها، وَضَمَّنَ الْقُلُوبَ مَوْصُولَها، وَأَنارَ في الْفِكَرِ مَعْقُولَها. الْمُمْتَنِعُ مِنَ الإْبْصارِ رُؤْيِتُهُ، وَمِنَ اْلأَلْسُنِ صِفَتُهُ، وَمِنَ الأَوْهامِ كَيْفِيَّتُهُ. اِبْتَدَعَ الأَشَياءَ لا مِنْ شَيْءٍ كانَ قَبْلَها، وَأَنْشَأَها بِلا احْتِذاءِ أَمْثِلَةٍ امْتَثَلَها، كَوَّنَها بِقُدْرَتِهِ، وَذَرَأَها بِمَشِيَّتِهِ، مِنْ غَيْرِ حاجَةٍ مِنْهُ إلى تَكْوينِها، وَلا فائِدَةٍ لَهُ في تَصْويرِها إلاّ تَثْبيتاً لِحِكْمَتِهِ، وَتَنْبيهاً عَلى طاعَتِهِ، وَإظْهاراً لِقُدْرَتِهِ، وَتَعَبُّداً لِبَرِيَّتِهِ، وإِعزازاً لِدَعْوَتِهِ، ثُمَّ جَعَلَ الثَّوابَ على طاعَتِهِ، وَوَضَعَ العِقابَ عَلى مَعْصِيِتَهِ، ذِيادَةً لِعِبادِهِ عَنْ نِقْمَتِهِ، وَحِياشَةً مِنْهُ إلى جَنَّتِهِ). صدقت مولاتنا فاطمة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها.
حديثنا - بإذن - الله تعالى يتناول جانبا من معرفة الله وتوحيده، حسبما تعرفنا مولاتنا الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء سلام الله عليها، وهذه الفقرات التي ذكرناها من خطبتها هي من آيات انتساب هذه الخطبة العظيمة إلى سيدة النساء فاطمة، حيث لا تخرج هذه الكلمات وهذه المعاني إلا من هذا المعدن، سوف نتعرض - بإذن الله- إلى شيء من التوضيح لهذه الكلمات وما الذي ترمي سيدة النساء إلى إفهامه للمخاطبين، ثم نشير إلى مقارنة سريعة بين الصورة للمعرفة الإلهية التي تقدمها فاطمة سيدة النساء حسبما يقدمها لسان المعصوم، والصورة الأخرى الفجة التي تقدمها سائر المدارس الأخرى الإسلامية.
الابتداء بالحمد ميزة الخطاب الإسلامي:
تبدأ السيدة الصديقة سلام الله عليها أولاً بالحمد لله، الحمد لله على ما أنعم هذا الابتداء في الخطاب هو أسلوب إسلامي متميز لم يُعهد هذا الأسلوب في الديانات الأخرى السابقة أو في الخطابات، لكن في الحالة الإسلامية نحن نجد الابتداء بالحمد لله حاضراً في القرآن الكريم فهنالك عدة سور تبتدئ بالحمد لله أولها وأهمها سورة الفاتحة ( بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العلمين)[١] بدء الفاتحة التي هي أم الكتاب وخلاصة القرآن كما يقول المفسرون بدؤها ومطلعها بالحمد، فكان بداية الكتاب الكريم بداية القرآن العظيم هي بداية حمدية لماذا هذا التعبير والاستخدام بالحمد؟ وماذا يعني؟
نجد أيضاً في الأدعية حضور البداية بالحمد لله عز وجل حضور كبير، راجعوا الصحيفة السجادية وغيرها من الكتب المخصصة للأدعية سوف تجدون الأدعية التي تبدأ بالحمد أدعية كثيرة منها دعاء عظيم للإمام الحسين عليه السلام في يوم عرفة بلغنا الله وإياكم موقف عرفات وحج بيت الله الحرام، يبدأ بـ ( الحمد لله الذي ليس لقضائه دافع ولا لعطائه مانع ) وهكذا، حينما يخطب أمير المؤمنين عليه السلام نجد الحمد أيضاً حاضراً في خطبه ( الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون ولا يحصي نعماؤه العادّون)
فالبداية الحمدية التي هي أسلوب إسلامي متميز نجدها في أعظم النصوص وهو القرآن الكريم وهو خطاب الله للإنسان ، كما نجدها في الأدعية التي هي خطاب الإنسان لله تعالى ، أيضاً جملة وافرة من الأدعية تبدأ بالحمد وخطب المعصومين عليهم السلام كما ذكرنا، بل وغيرهم ممن تأثر بمنهجهم يبدؤون بالحمد، فالسيدة فاطمة تستخدم هذا الأسلوب ( الحمد لله على ما أنعم وله الشكر على ما ألهم - من ماذا؟ - من عموم نعم ابتدأها وسبوغ آلاء اسداها وتمام منن والاها ).
عموم نعم ابتدأها وسبوغ آلاء اسداها وتمام منن والاها: