فبقي نبي الله في فلسطين ينشر التوحيد ووصل عمره إلى حوالي ٧٩ سنة وإلى الآن لم يرزق بولد وزوجته سارة أصغر منه بعشر سنوات يعني في حدود ٦٩ سنة وفي هذا العمر لا يرجى منها الإنجاب . فتصور هذا الصبر منهما وبالذات من إبراهيم الذي وصل عمره إلى ٧٩سنة والاحتمال أن يكون عدم الولد من زوجته ومع ذلك هو صابر ومشغول بالدعوة إلى الله عز وجل بينما نحن إذا تزوج أحد أولادنا ستة أشهر ولم يرزق بولد تقوم قيامة الوالدين لا سيما إذا عرف أن السبب أحد الطرفين ، فإذا كانت السبب هي الزوجة اشتغل والدا الزوج في تحريضه على تطليقها أو الزواج بغيرها أو غير ذلك ، وأما إذا كان العكس فالبلية أعظم ..... اصبروا قليلًا حافظوا على الأسرة لا تهدموا الأسر لأي سبب ، فإبراهيم صبر على زوجته ما يقارب خمسين سنة وأكثر إذا استثنينا سنوات ما قبل الزواج وأيضًا زوجته صبرت عليه . وعادةً في خريف العمر أي رجل يحتاج أن يرى الخلف وكذلك الأم تحتاج أن ترى ابنًا لها فإبراهيم لم يشتكِ ولم يعير وسارة أيضًا لم تشتكَ ولم تعير .
زواج إبراهيم من هاجر :
فاقترحت عليه في موقفٍ أخلاقيٍ نادرٍ أن يتزوج بجاريتها هاجر ووهبتها إليه وهذا موقف أخلاقي استثنائي ( فقد جاءني رجل وقال لي أنا كبير السن ولحيتي بيضاء وأنا متزوج منذ أكثر من ثلاثين سنة ولم يرزقنا الله الذرية وبحسب التحاليل فإن الإشكال في زوجتي فبمجرد أن أذكر أنني بلغت من العمر عتيًا وأنت امرأة صالحة وطيبة لكنني أحتاج إلى ولد ، تقوم القيامة ولا تقعد حتى قالت لي إذا تتزوج أنا أخرج من البيت فيقول أنا في حالة حيرة لا أستطيع أن أتركها ولا أستطيع أن أصبر أكثر من هذا ) بينما سارة تعطي الفرصة والمجال لزوجها وبالتالي عوضها الله بأن بشرها بإسحاق بعد عشر سنوات من هذه الحادثة . ( فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ) فحين تعطي يعطيك الله فحين تعمل خير تلقى خير أما كلام اعمل خيرًا تلقى شرًا كلامٌ باطلٌ مائة بالمائة وعلى خلاف القرآن الكريم . فالقرآن يقول ( فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيرًا يره ) فلما واقعها ولدت له إسماعيل ، والقرآن لا يعصم هؤلاء فهي امرأة وترى اهتمام الوالد بالطفل فبطبيعة الحال سيحرص عليه ويجلس معه ويسعد به مهما حاول إخفاء ذلك عنه إلا أنه سيظهر ، وهنا لم تتحمل سارة فقالت له : يا إبراهيم أنا لا أريد أن أظلم هاجر لكني لا أطيق أن أراها أمامي فافصل بيننا . وهنا يتبين رجاحة عقلها وأكثر منه رجاحة عقل إبراهيم ، فإبراهيم خرج من فلسطين إلى مكة المكرمة رغم بعد المسافة في ذلك الوقت حتى يحافظ على الاستقرار العائلي ، فما أعظمها من تضحية وليس مثل بعض الناس الذي يقول هذا ما عندي فمن يريد وإلا فليضرب رأسه بالجدار . فهذه ليست بطولة ، إنما البطولة هي تبتغي مرضات أزواجك يا محمد ، والبطولة أن يخرج إبراهيم ويقطع هذا المشوار البعيد حتى لا ينكد على سارة ولا يحرج هاجر ولا يؤذي مشاعرها .
هاجر وإسماعيل يغادران إلى مكة :
وهنا جاء الأمر الإلهي وهو ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن )وذهب إلى مكة المكرمة وهنا مشى مسافات طويلة مع هاجر وطفله الرضيع إلى أن وصلوا إلى صحراء قاحلة لا ضرع ولا زرع ولا ماء ولا كلأ فيها ، فلا يوجد سوى الريح تصفر في ذلك المكان فوصلوا إلى ذلك المكان وأنزلها , فسألته : إلى من تكلنا هنا ؟ قال : أكلكم إلى الله . قالت : ربك أمرك بهذا ؟ قال : بلى . قالت : إذا أمرك ربك بهذا فلن يضيعنا أبدًا . وهذه هي التي استحقت بهذا الموقف أن تصبح جدة نبينا محمد ( صلى الله عليه وآله ) أما لو كنا في مكانها ماذا سنقول لإبراهيم ؟ ما هذا الكلام اعقلها وتوكل . والله أمرنا بالأسباب ولابد أن تجهز الأمور وتدبر القضايا بالنحو الصحيح ولا تعتمد على هذه الادعاءات حينها سأكون واحد من الذين يدعون اتباع النبي ، لكن هاجر تقول : إذا أمرك ربك بهذا فلن يضيعنا . فهذا المقدار من التوكل والجزم في الإيمان والقدرة الهائلة في اليقين هو أمر في الحقيقة محير . وكان ما كان بعدما نفذ المقدار الذي لديهم من الماء والطعام صارت تصرخ : هل من أنيس ؟ ألا أحدٌ في الوادي ؟ لم تسمع سوى صدى صوتها فصعدت إلى الصفا تتلفت يمينًا وشمالًا فلم تجد أحد ، وانحدرت إلى المروة تتلفت أيضًا لا ماء ولا أحد ولا عمران سبع مرات تسعى دون تعب ولا كلل ، وهذا معنى السعي في الحاجات وإذا بها في الشوط السابع ترى أنه قد تفجر الماء من تحت قدم إسماعيل . وأتم النبي إبراهيم امتحانه في التوكل على الله عز وجل في ترك ابنه الرضيع وزوجته المخلصة في أرضٍ لا زرع ولا ضرع فيها سوى أنه عندما مشى قليلًا التفت إلى الخلف ( رب إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرعٍ عند بيتك المحرم فاجعل أفئدةً من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات ) ولم يكن غير مبال ونجح في هذا الامتحان ليعود بعد ما يقارب !@ سنة ليؤدي امتحانًا آخر مع إسماعيل ( إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى )