١/ أن هناك سُنة غلط اعتمدت كمنشأ للحكم وهو ما أشير إليه في قضية الشورى، وكلام المأمون للإمام عليه السلام يشي بتكرار ما جرى على أمير المؤمنين عليه السلام، إن لم يقبل فليقتل.
٢/ بناء على ما جرى بينهما قبل الإمام بشرط (أنني لا آمر، ولا أنهى، ولا أفتي، ولا أقضي، ولا أولي، ولا أعزل، ولا أغير شيئا مما هو قائم)، بهذا قطع الطريق على المأمون لئلا يقحمه في الشأن الداخلي للدولة.
٣/ صحيح أن الإمام بات تحت مراقبة المأمون، ولكن الإمام قلب المراقبة إلى حالة من التوعية والتبليغ، فاصبح القصر منبرًا للحديث عن فضائل أمير المؤمنين عليه السلام ونشر معارف وعلوم أهل البيت عليهم السلام، بل أن الإمام أخذ يستنشد الشعراء في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام أمام الناس، فانتشر آنذاك الشعر الولائي([١٧]) والديني، ومنها قصيدة (مدارس آيات) ([١٨]) التي تشير إلى عمق مظلومية أهل البيت عليهم السلام، واستثارة العواطف نحوهم.
ويقال أن دعبل الخزاعي حين أنشد هذه القصيدة أهداه الإمام ثوبا صلى فيه كذا من الركعات ومبلغا من المال كان مسكوكا عليه اسم الإمام الرضا.
ثم إن كل ما يلقى في أروقة القصر ينتشر بسرعة، حتى أن قصيدة دعبل الخزاعي (مدارس آيات) قد حفظها القاصي والداني، ففي ذات يوم أراد دعبل أن يخرج من خراسان إلى العراق مع إحدى القوافل وفي أثناء الطريق اعترضهم قطاع طرق ونهبوا القافلة عن آخرها ولزموا جماعة من أهلها فكتّفوهم وأخذوا ما معهم، ومن جملتهم دعبل، فساروا بهم غير بعيد، ثمّ جلسوا يقتسمون أموالهم فتمثّل مقدم اللصوص وكبيرهم يقول:
أرى فيئهم في غيرهم متقسّماً * وأيديهم من فيئهم صفُراتِ
ودعبل يسمعه فقال: أتعرف هذا البيت لمن؟ قال: وكيف لا أعرفه وهو لرجل من خزاعة يقال له دعبل شاعر أهل البيت ( عليهم السلام ) قاله في قصيدة مدحهم بها، فقال دعبل: فأنا والله صاحب القصيدة وقائلها فيهم، فقال: ويلك انظر ماذا تقول؟ قال: والله الأمر أشهر من ذلك واسأل أهل القافلة وهؤلاء الممسوكين معكم يخبروكم بذلك، فسألهم فقالوا بأسرهم: هذا دعبل الخزاعي شاعر أهل البيت المعروف الموصوف، ثمّ إنّ دعبل أنشدهم القصيدة من أوّلها إلى آخرها عن ظهر قلب فقالوا: قد وجب حقّك علينا وقد أطلقنا القافلة ورددنا جميع ما أخذنا منها إكراماً لك يا شاعر أهل البيت.
لقد استثمر الإمام عليه السلام تردده على قصر الأمير في إحياء معارف وعلوم أهل البيت عليهم السلام من خلال تلك الجلسات والمناظرات والأحاديث ومعاني الأخبار... كما أن أصحاب الإمام عليه السلام وبإيعاز منه كانوا يشيعون أمام الناس بعدم قبول الإمام ولاية العهد؛ وإنه كان مكرها عليها، وقد قبلها بشرط أن لا يأمر ولا ينهى ولا يقضي ولا يعزل.
٤/ إن الإمام عليه السلام كان يقظا من فتنة المأمون سواء في إيقاع الفتنة بين بني هاشم وشق صفهم، فيشعل الفتنة بين الحسنيين والحسينيين... لذا حين قبض على زيد (النار) أخ الإمام الرضا عليه السلام، بعث به المأمون إلى الإمام الرضا عليه السلام فلما دخل زيد عليه، قال أبو الحسن: يا زيد أغرك قول سفلة أهل الكوفة إن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار ذاك للحسن والحسين خاصة إن كنت ترى أنك تعصي الله وتدخل الجنة وموسى بن جعفر أطاع الله ودخل الجنة فإذا أنت أكرم على الله عز وجل من موسى بن جعفر والله ما ينال أحد ما عند الله إلا بطاعته وزعمت إنك تناله بمعصيته فبئس ما زعمت.
فاستنكار الإمام على زيد ليس في أصل الخروج، وإنما على المخالفات الشرعية بحرق الدور وغيرها.