وهذا الهدف وغيره قد صرح به المأمون أمام حميد بن مهران، وجمع من بني العباس، حين عاتبوه على البيعة للرضا عليه السلام يقول المأمون: >قد كان هذا الرجل مستترا عنا ، يدعو إلى نفسه، فأردنا أن نجعله ولي عهدنا، ليكون دعاؤه لنا، وليعترف بالملك والخلافة لنا، وليعتقد فيه المفتونون به بأنه ليس مما ادعى في قليل ولا كثير، وأن هذا الأمر لنا دونه.
وقد خشينا إن تركناه على تلك الحال: أن ينفتق علينا منه ما لا نسده، ويأتي علينا ما لا نطيقه، والآن . . فإذ قد فعلنا به ما فعلنا، وأخطأنا في أمره بما أخطأنا. وأشرفنا من الهلاك بالتنويه باسمه على ما أشرفنا ، فليس يجوز التهاون في أمره . ولكننا نحتاج إلى أن نضع منه قليلا ، قليلا، حتى نصوره عند الرعية بصورة من لا يستحق هذا الأمر، ثم ندبر فيه بما يحسم عنا مواد بلائه . . <([١٤]).
الهدف الثاني: محاولة إيهام الناس وخداعهم بأن أهل البيت عليهم السلام يتظاهرون بالزهد في الدنيا إذا أدبرت عنهم، أما إذا أقبلت عليهم فإنهم يطمعون فيها، وهذا ما قاله الإمام عليه السلام للمأمون، قال: تريد بذلك أن يقول الناس: إنّ عليّ بن موسى (عليهما السلام) لم يزهد في الدنيا بل زهدت الدنيا فيه، ألا ترون كيف قبل ولاية العهد طمعاً في الخلافة([١٥])؟
فكان الهدف هو إسقاط رمزية الإمام من أعين الناس، من خلال ما سوف يحصل عليه من أموال وخدم وقصور ورفاهية، فيصبح حاله حال الخلفاء والأمراء، فتنزع منه الخلافة الدينية، وتسقط عنه الشخصية المثالية التي سكنت نفوس وقلوب الناس.
الهدف الثالث: إحراج الثائرين واصطدامهم بالإمام عليه السلام باعتباره وليًا للعهد فهو جزء من السلطة.
فإن قبل هؤلاء إمامة الإمام عليه السلام فلا بد من قبول الوضع السياسي وعدم التمرد عليه، وإن الأمور تنحل بواسطة الإمام.
وإن لم يقبل هؤلاء بإمامة الإمام سوف يصطدمون معه فينشأ نزاع وصراع بين بني هاشم، أي بين الثوار من جهة وبين الإمام الرضا عليه السلام من جهة أخرى.
التدبير السياسي للإمام
كان الإمام عليه السلام أكثر إحكاما ورجاحة رأي من المأمون، فكان شديد النباهة لخطط المأمون ومكائده، فحين عرض المأمون الخلافة على أبي الحسن الرضا عليه السلام، وقال المأمون: يا بن رسول الله قد عرفت علمك وفضلك وزهدك وورعك وعبادتك وأراك أحق بالخلافة منى...فإني قد رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة وأجعلها وأبايعك.
قال له الإمام: إن كانت هذه الخلافة لك والله جعلها لك فلا يجوز لك أن تخلع لباسا ألبسك الله وتجعله لغيرك وأن كانت الخلافة ليست لك فلا يجوز لك أن تجعل لي ما ليس لك.
فقال له المأمون: يا بن رسول الله فلا بد لك من قبول هذا الامر، فقال: لست أفعل ذلك طائعا أبدا.
فقال له: فإن لم تقبل الخلافة ولم تجب مبايعتي لك فكن ولي عهدي له تكون الخلافة بعدي.
فقال له: اعفني من ذلك يا أمير المؤمنين.
فقال له المأمون - كلاما فيه التهديد له على الامتناع عليه وقال في كلامه - : إن عمر بن الخطاب جعل الشورى في ستة أحدهم جدك أمير المؤمنين عليه السلام وشرط فيمن خالف منهم أن يضرب عنقه، ولابد من قبولك ما أريد منك فإني لا أجد محيصا عنه.
فقال له الرضا عليه السلام: فإني أجيبك إلى ما تريد من ولاية العهد على أنني لا آمر، ولا أنهى، ولا أفتي، ولا أقضي، ولا أولي، ولا أعزل، ولا أغير شيئا مما هو قائم، فأجابه المأمون إلى ذلك كله([١٦]).
ويلاحظ في ذلك: