لو كنت بواباً على باب جنة لقلت لهمدان ادخلوا بسلام٦
وهذا يشير إلى مقدار تقديره لهذه الأسرة وهذه القبيلة ليس فقط من الرجال حتى النساء.
عبيد الله بن زياد كان لابد أن يرجع إلى البصرة فأراد أن يعين عمر بن سعد على الكوفة هذه، فقامت نساء همدان في كل مكان وظللن يبكين الحسين ويعدّدن مصائبه وبالتالي جرائم عمر بن سعد وأصبحوا يقولون لم يكتف عمر بن سعد بقتل ابن بنت رسول الله وسبطه حتى أراد أن يتأمّر علينا لا كان ذلك ابداً ، واستمروا يردّدون ذلك فكان هذا بمثابة المظاهرة النسائية في الكوفة ضد تعيين عمر بن سعد ، وقد تزامن هذا مع نهضة التوابين ممّا شكل ضغطًا على بني أمية في هذه الجهة ، وكما ذكرنا أنّ هذه الأسرة هي التي ينتمي إليها برير بن خضير الهمداني و كان في أول أمره كباقي القبيلة في المنطقة اليمنية ، وتمّ الانتقال إلى الكوفة لأن هذه القبائل اليمنية انتقلت على مرحلتين أساسيتين :
- المرحلة الأولى مع بدء تمصير الكوفة فقد كانت تتأسّس كمدينة في زمان الخليفة الثاني سنة سبعة عشر هجرية حيث انتقلت لها قبائل كثيرة على أساس أنّهم سوف يشكّلون جزءًا من الجيش الذي سيذهب لقتال الفرس واستقر قسم من هؤلاء ثم استدعوا نساءهم وعوائلهم.
- المرحلة الثانية كانت بعد مجيء أمير المؤمنين عليه السلام إلى الكوفة بحدود سنة خمسة وثلاثين هجرية حيث انتقل كثير من القبائل اليمنية من الرجال و الشخصيات سواء كانوا من الذين لا يزالون في المنطقة الجنوبية في اليمن أو كانوا في مكة والمدينة ، انتقلوا إلى الكوفة وبرير بن خضير أصبح من أبناء الكوفة ، وبناءً على هذا لذلك عندما التحق بالحسين عليه السلام خرج من الكوفة مبكرًا والتحق بالحسين وهو لتوه قد خرج من مكة المكرمة ، وفي الكوفة في هذه الفترة نقل عنه أنّه منذ زمان أمير المؤمنين عليه السلام إلى شهادته سنة واحد وستين هجرية كان يعلّم القرآن وهذا ورد في أكثر من مصدر ، بل حتى نقل عن أعدائه وبعض من أراد قتله كان يؤمر من قبل آخرين بأن لا تقتل هذا الرجل إنّه برير بن خضير الهمداني معلم القرآن الذي كان يقرؤنا القرآن في الكوفة ، ويروى عن زوجة القاتل الذي قتل برير بن خضير وهو كعب بن جابر أنّه لما رجع إلى الكوفة قالت له زوجته أعنت على الحسين وقتلت سيد القراء برير بن خضير والله لا أكلمك من رأسي كلمة واحدة ، إذن يتبين من هذا أنّ الرجل كان معروفاً بأنه مقرىءٌ للقرآن لأكثر من جيل بل في تعبير هذه المرأة أنه سيد القراء في الكوفة ، هنا لا بدّ لنا من وقفة عند قارئ القرآن والمهتم فيما يرتبط بمنهج أهل البيت عليهم السلام حيث أننا نعتقد أنّ هذا الرجل كان يهتم بمعاني القرآن وبمواضيعه وبأفكاره وأحكامه أكثر من اهتمامه بالألفاظ ، وفي تاريخ المسلمين نجد توجهين فيما يرتبط بقضية القرآن الكريم :
- التوجه الأول كان توجّه الخلافة الرسمية قبل خلافة أمير المؤمنين عليه السلام الظاهرية وبعدها ايضاً في أيام الأمويين الخلفاء هنا لم يكن بإمكانهم أن يمنعوا الناس عن قراءة القرآن وهذا واضح حيث أنّ كتاب الله المنزل ومعجزة النبي صلى الله عليه وآله لا يستطيع أي شخص أن يمنع أحدًا من قراءة القرآن الكريم . وإن قرىء القرآن وأقبل عليه القارىء فإنّ فيه من الإشارات بل التصريحات في حق أهل البيت عليهم السلام وسلامة منهجهم ، وقد أمر الناس باتباعهم ، فإنّ في القرآن الكريم الشيء الكثير ، كآية التطهير وأمثالها من الآيات الكثيرة تشير إلى حق أهل البيت عليهم السلام ، لكن الخلافة الرسمية لا تريد أن يصل هذا المعنى لأذهان الناس لذا أخذت تمنع الناس من قراءة القرآن الكريم لكنها لا تستطيع ، إذن لا بد أن توجّههم إلى شيء آخر وهو الألفاظ ، فلا بدّ من إتقانه وإخراج الغنة بالشكل الصحيح .
وكذلك بالنسبة للصوت يجب أن يكون حسنًا ، فكان توجّه الخلافة الرسمية إلى التأكيد على أشكال القرآن وألفاظه وإعرابه وتجويده، أما بالنسبة لباطن القرآن ومعانيه ومضامينه ، وعقائده وفلسفته فهناك أمر صريح صرّح به معاوية عندما قال لابن عباس (لا تفسر القرآن ) فقال له أتنهانا أن نفسّر القرآن ؟ قال له كلا ولكن إن أردت أن تفسره فلا تفسره كما تريدون أنتم ، فقال له ابن عباس إنّ القرآن نزل في بيوتنا ونحن أقرب للقرآن ، فقد نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى أوصيائه وأوليائه ، فهل نذهب لطلب تفسيره من غيرهم ، هل نذهب إلى كعب الأحبار مثلا، أو وهب بن منبه ، أم من عبدالله بن سلام ، هؤلاء الذين أسلموا فيما بعد وجاؤوا بثقافة اليهود والنصارى ، فكان الأمر قاطعًا بمنع تفسير القرآن الكريم ، وأصبح التوجه العام فقط لألفاظه وحروفه وإعرابه ، وهذا التوجه استمر لمدة طويلة في بلاد المسلمين ، إلى الوقت الحاضر تجد من النادر أن تكون هناك مسابقات في معاني القرآن الكريم ، بل تجد مسابقة في الحفظ والحفظ مجرد ألفاظ ، و كذلك مسابقة في التجويد والتجويد مجرد ألفاظ ، ومسابقة في الإعراب والإعراب مجرد ألفاظ، وكذلك في المقامات والمقامات هي ألفاظ وكيفية أداء للصوت ، و في مقابل هذا كان توجّه أئمة الهدى عليهم السلام يركّز على موضوع معاني القرآن الكريم وأحكام القرآن، وفلسفة القرآن و هداية القرآن ، وكانوا يأمرون أصحابهم بذلك ، من رواية نقلها الشيخ الكليني في كتابه (الكافي ) عن الإمام الباقر عليه السلام حيث
يقسم المسلمين الذين يتعاملون مع القرآن إلى ثلاثة أقسام :
يقول القسم الأول هو