الشهيد برير بن خضير الهمداني سيد القراء
تفريغ نصي الفاضلة فاطمة الخويلدي
تصحيح الفاضلة أفراح آل ابراهيم
( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن يجتبي من رسله من يشاء )١
الآية المباركة التي تمثّل بها الإمام الحسين سلام الله عليه في ليلة العاشر من المحرم تحكي قاعدة إلهية هي أنّ الله سبحانه وتعالى يعرّض الناس للامتحانات والابتلاءآت ، وغرض ذلك أن يتميّز الطيبون من الخبثاء والمؤمنون من المنافقين وأصحاب الحقيقة من أصحاب الادعاء ، القرآن الكريم يعيّن للإنسان مسارًا وطريقًا ويطلب منه أن يسير عليه حتى يصل إلى هدفه الذي خلق من أجله والذي عبّرت عنه الآية المباركة:
(وما خلقت الجن والأنس الا ليعبدون )٢
في مقابل هذا نجد الكثير من الناس من يتعامل مع هذه الحياة تعاملاً عبثيًا ، تعامل البطالين الذين يتخذون هذا العمر ضحكة وعبثاً ، فتراه ويقضي أيامه يومًا بعد يوم وسنةً بعد أخرى غير عابئ بما ينتظره يصرف رصيده الأساسي وهو أيام عمره وسنوات حياته ، حتى إذا وصل إلى نهاية المشوار واستنفذ هذا الرصيد قال ( يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله )٣
الكثير من الناس تكون حياتهم هكذا و أيام عمرهم تمضي وهم في غفلة ، والبعض الآخر من الناس ينظرون إلى هذه الحياة نظرة جدية ، حيث يعتبرون أيام عمرهم جزءًا منهم كما ورد في الحديث عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام
(يا ابن آدم إنّما أنت عدد أيام فإذا مضى بعضها فقد مضى بعضك)٤
أيام حياتك عبارة عن ساعات إذا ذهبت منها ساعة ذهبت ، و إن مضى منه يوم فقد مضى جزء منك ، وكما في الحديث المعروف
كل يوم يمر على ابن آدم يخاطبه أول الصباح فيقول ( يا ابن آدم أنا يوم جديد وغداً عليك شهيد فقل فيّ خيرا واعمل فيّ خيرً ا فإنك لا تراني بعد هذا أبدًا )٥
يوم الأربعاء مثلاً خمسة عشر من صفر ألف وأربعمائة وأربعين هجرية إذا انتهى هذا لا يرجع إليك ولو بذلت المستحيل وأعطيت الغالي والنفيس لا يعود انتهى وسقط من الرصيد وهكذا الحال بالنسبة للسنوات ، هذا الذي يجعل أهل المعرفة ينظرون إلى الغرض الأساسي من حياتهم وهي العبادة ولو بمعناها الأعم فيجعلونها عنوان حياتهم.
وهذا ما عرف به أحد شهداء كربلاء وأبطالها وهو برير بن خضير الهمداني
كلّ من أرّخ له ومن تحدث عنه قال بأنه كان عابدًا متنسكًا لأنه عرف الهدف من حياته وهو العبادة فسلك العبادة بأنساكها والعبادة هنا بمعناها الأعم ليس فقط العبادة الخاصة (صلاة وصيام ) بل هذا جزء مهم ، قد يكون إنفاقك على أهلك ناوياً به وجه الله فهذه عبادة ، و مساعدتك للضعيف ناوياً به وجه الله أيضًا تعتبر عبادة ، دفاعك وإبعادك الأذى عن غيرك من المؤمنين عن أعراضهم ممن يغتابهم أو يتهجّم عليهم قاصداً بذلك وجه الله تلك أيضًا عبادة وهكذا ، هذا الرجل كان عابدًا متنسكًا وهو مثال للحياة الهادفة والجادة في مقابل من سوف نتحدث عنهم من أهل العبث في هذه الدنيا من أعدائه وممّن واجههم في كربلاء وقبل كربلاء.
هذا الرجل برير بن خضير الهمداني أسماه بعض المؤلفين يزيد بن حصين وهو تحريف لاسمه وتصحيف الصحيح هو المشهور أنّه برير بن خضير الهمداني .
وهو همداني مشرقي .. ذكرنا في ليلة سابقة مضت أنّ العرب يقسمون القبائل إلى قسمين عرب الشمال وعرب الجنوب ، مضر عدنان شمالية واليمن جنوبية وهي قبائل كثيرة من جملتها همدان وهمدان هذا يختلف عن البلد الموجود في إيران وينسب إليها علماء وفقهاء فقيه آغا رضى الهمداني أحد أعاظم الفقهاء ، وهذا ليس مرتبط بهمدان اليمنية وإنما مرتبط ببلدة همدان في إيران بينما همْدان في اليمن بتسكين الميم ، و همدان لها مدن كثيرة ، و قد لاحظ المرحوم الشيخ شمس الدين في كتابه (أنصار الحسين ) أنّ الفئة الأكبر في أنصار الثورة الحسينية كانت من القبائل اليمنية فلو استثنينا قادة الثورة وهم بنو هاشم وبنو
هاشم من قريش مضر عدنان من عرب الشمال ولو استثنينا من هؤلاء الإمام الحسين عليه السلام وأخوته وأبنائه وأبناء عمومته ، لو استثنينا هؤلاء ثم جردنا أصحاب الحسين وأنصاره لوجدنا أنّ النسبة الغالبة هي من قبائل اليمن من الجنوب بل أكثر من هذا كانت هذه القبائل وتلك المنطقة في زمان الإمام الحسين عليه السلام معروفة بتشيعها وولائها لآل محمد صلى الله عليه وآله ، ولذلك فإنّ ثلاثة من الأشخاص اقترحوا على الإمام الحسين عليه السلام أنّه إذا أراد النصرة والمنعة والأعوان فليذهب إلى اليمن ، و محمد بن الحنفية عندما رأى الإمام الحسين عليه السلام يريد الخروج إلى العراق قال له اذهب إلى اليمن فإنّ فيها أنصارًا وأعوانًا وهم أولياء أبيك.
وكذلك ابن عباس اقترح على الإمام الحسين أنه إذا ذهب إلى اليمن فإنّ فيها منعة ، حيث نظر إلى الحالة الجغرافية ، وكذلك الطرماح بن عدي الطائي عندما التقى بالحسين عليه السلام في الطريق اقترح عليه أن يأتي إلى اليمن وأنّه إذًا يستطيع أن يحشّد له من الأنصار والأعوان ليس فقط من الرجال بل حتى النساء ، ولعلّ هذا الولاء كان منذ أن آمنت همدان بالإسلام على يد أمير المؤمنين عليه السلام فقد ذهب إليهم في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله داعياً إلى الاسلام في اليمن فاستجابت له سريعاً قبائل اليمن ولا سيما همدان ، وقد قال فيهم شعرًا يروى إلى يومنا هذا: