والإمام الحسين عليه السلام مع أنه كان بإمكانه أن يعمل بهذا المقدار .. ولكنه لم يفعل ..كان بإمكانه عليه السلام أن يقول أنا لا أبدأ بقتال ولا ابادر لإراقة الدم .. ولكن لو أن أحداً من الأمويين جاء ليقاتلني ويفسك دمي فلي أن أشهر سيفي في وجهه لأدافع عن نفسي ومع ذلك لم يفعل الإمام هذا محافظاً على قانون ديني .. قانون شرعي وهو ألا تنتهك حرمة البيت الحرام وحرمة الشهر الحرام وحرمة منطقة الحرم ..
لأن هذا الفعل ( وهو القتال في داخل الحرم ) سيكون مفتاحاً لمن يأتي بعده ممن لا يرقب في الإيمان إلاً ولا ذمة فيقتحم كل المحرمات .. وحتى مع أن الحسين عليه السلام قد تفادى هذا الأمر إلا إن الأمويين أتوا وقصفو الكعبة المشرفة فيما بعد شهادته عليه السلام فكيف به عليه السلام لو لم يتفادى هذا الأمر (وهو القتال في بيت الله ) ويقبل بوقوعه ..
فالإمام عليه السلام إذن كان يريد أن يترك للناس هذ المعنى ومن يمكن أن يتأثر به في حفظ الحرمات .. حرمة الزمان .. حرمة المكان ..حرمة البيت.. وبمقدار ما كان أن يستطيع، فَعَل عليه السلام ..حتى أنه عندما سأله بعضهم ( في هذا الأمر ) قال(ع ) : لأن أقتل خارج الحرم بشبر أحب إلي من أن أقتل داخل الحرم بشبر فهذا المقدار من الإهتمام كان لدى الإمام عليه السلام ..وليس الحسين فقط والذي يعد إماماً معصوماً وهو تربية أمير المؤمنين عليه السلام ..تربية رسول الله .. من أهل الكساء..
بل هو حتى عند من كان متأثراً في أخلاقياته بالأئمة عليهم السلام ..وكمثال : مسلم ابن عقيل عليه السلام ( وهو للأسف مظلوم في معرفة شخصه فالصورة الموجودة لدينا عن مسلم هي صورة مختصرة وهي أنه قد بايعه جماعة من اهل الكوفة ثم قتل بعد ذلك )..والشاهد هنا إيضاح الجانب الأخلاقي والجانب الفقهي وجانب الإلتزام الديني فيما يرتبط بسلوك الثائرين..
ونحن إنما نقول هذا لأننا نجد في كثير من المجتمعات المسلمة أن الثورة أحياناً تترافق مع تكسير الحواجز ..بحيث يثور الإنسان عندما ينكسر حاجز ديني .. او تكون عنده ثورة عندما ينكسر حاجز أخلاقي أو عندما تسلب الحقوق وتسرق الأموال وتهدم البيوت ..
وهذا يختلف عن أخلاقيات الإمام تماماً بحيث يقول اننا لا نقوم بهذ الفعل بل نتبع نهجاً آخر يرتبط بالجانب الأخلاقي والديني..وليس الإمام فقط من يقول ذلك بل حتا مسلم ابن عقيل ..ومثالاً على ما فعله مسلم : ونظراً لأن الحدث التاريخي عادة في أذهانكم فلا نفصل فيه فالمعروف عادةً أن مسلم وبعدما أعلنت الأحكام العرفية وحالة الطوارئ حيث أغلقت الأبواب ولم يكن معه أحد فجاء وجلس على باب طوعة ( وقد ذكرنا هذا في ليلة مضت عن موضوع طوعة ) وحسب النقل التاريخي ، خرجت طوعة وقالت له ما جلوسك على باب داري ، أو لا أجيز لك الجلوس على باب داري أو شبيه هذا ، مما يفهم منه عدم الأذن بالبقاء أمام باب طوعة .. من هنا فإن الإنسان العادي يمكنه أن يقول ما هذا الكلام .. أنا الآن حياتي مهددة بالموت وهذه المرأة تقول لا أجيز لك الجلوس على الباب ؟ ليس علي أن أسمع كلامها .. بل أدخل داخل الدار لكي أحافظ على حياتي أو أن أقول لها هذا المكان ليس ملكاً لك ولا لأبيك فافعلي ما يحلو لك..ولكن مسلم ( ع ) ليس من يفعل ذلك .. فمسلم إنما يفهم (إن لكل دارٍ حريماً ، وأن حريم الدار مالم يأذن فيه صاحب الدار ، لايصح أن ينتهك )، و على سبيل المثال:
أأتي لأقف على باب بيت احد من الناس فأنظر إلى الداخل ولو سئلت عن سبب هذا الفعل ، أجيبه مثلا : انت لا تملك هذه الأرض فأنت إنما حدودك هذه الأرض التي انت عليها وأنا أنما اقف خارج أرضك فلا يحق لك أن تمنعني ..فهذا الفعل لايجوز شرعاً ، والشرع يقول أن هذا من حريم الدار، ولايجوز لك أن تأتي إلى مثل حريم الدار حتى تكشف ستر من في داخلها، ولا ان تضايق دخوله وخروجه ..فطوعة عندما تقول لمسلم ما قالت له فإن مسلم يفهم ذلك المعنى ، وعليه أن لايبقى ..مالم تأذن له