بتوكل الايمان نهزم القنوط واليأس ٣٦

بتوكل الايمان نهزم القنوط واليأس ٣٦
00:00 --:--

في الفترة الماضية، كانت أموري العائلية مستقرة، أما الآن فتتعقد يوما بعد يوم. وهو من طرف خفي، كأنما يريد أن يقول: أن الله لم يصنع لي شيئا، ليس فقط لم يحسن أوضاعي، وإنما ساءت مع إيماني به! هذا نقص في الإيمان لو زيادة؟ لا شك أنه نقص.

وهذا الذي يفعله الشيطان عادة، الشيطان ماذا يصنع؟ (يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ)، دائما يسوِّد في وجهك صورة المستقبل. فيقول لك: هذه ... كنت أتحدث مع واحد من الأخوة الشباب، بينه وبين زوجته مشكلة، فكنت أشجعه على أن يتواصل مع زوجته، وأن يحسن إليها، ويتكلم معها كلاما طيبا، وأن الأمور سوف تتحسن. فقال لي: لا، لن يحدث شيء، سيحدث العكس. قلت له: لماذا؟ قال: لأني أعرفها. قلت له: صحيح، فأنت عندك علم بالغيب، ونحن لا نعلم. أيمكنك أن تخبرني: أنت بعد ١٠ دقائق، ماذا سيحدث لك؟ قال: لا. قلت له: كيف إذن تقول لي هي لن تفعل كذا. هذا معناه: أنك تعلم هي ماذا ستصنع. أي أنت تعلم الغيب، تعلم المستقبل، ونحن لا ندري. فالذي يعلم الغيب هو الله سبحانه وتعالى ومن أطلعه من خلقه. أما أن تأتي أنت وتقول: لن يحدث خير، فهذا إنباء عن المستقبل. فهل الإنباء عن المستقبل بيدك أنت؟ لن يكون فرج. من الذي قال لك: لن يكون فرج؟! لن تتحسن أوضاعي. من أخبرك عن هذا؟! من الذي قال لك: لن تتحسن أوضاعك! من الذي كشف لك حجاب المستقبل، فرأيت أمامك أنه بعد سنة وسنتين، أمورك ستزداد سوءا. من قال لك ذلك؟!

لا أنت الذي يقدر أن يفعل هذه الأشياء، ولا عندك خبرها. الذي عنده خبرها هو الله سبحانه وتعالى. وهذه كلها حالات اليأس، حالات القنوط. تنتهي بالإنسان إلى تناقص الإيمان، في مقابل ذاك الإنسان المتوكل، (وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلا).

أنا آتي أصدق الشيطان الذي يعدني الفقر، النقص، العجز، المرض، المشاكل، المآسي، فأقول له: نعم، فعلا، الأمور ستكون هكذا. فأنا بهذا تابع للشيطان، أصدق الشيطان. في المقابل، الله سبحانه وتعالى، يقول: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ)، وعلى أثر ذلك، ماذا يصنع؟ (وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ)، (وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلا).

الله يقول لك: سأنعم عليك، سأغفر لك، ابشر بالمستقبل. (إِنّ َمَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)، قل: توكلت على الله، قل: لا قوة إلا بالله. قل: حسبي الله. والله سيغير حالك. لكنك تقول: لا، لن يكون شيء زينا. أنت هنا مؤمن بالله؟ أم أنت مؤمن بالشيطان؟

الذي يتعجل السوء، والفقر، والسلب، والعجز، والمشاكل، والمرض، هذا مصدق ومؤمن بالشيطان. بخلاف ذلك الذي يؤمن بفضل الله ومغفرته ورحمته وتغيير الأوضاع نحو الأحسن، ويستبشر بما لم يأت، بأن الله سبحانه وتعالى، بفضله ولطفه، سيجعله حسنا. هذا واحد من الآثار السلبية.

واحد من الآثار السلبية الأخرى: أن الإنسان يتوقف عن العمل مع اليأس، وينشط مع الرجاء. ينقلون قصة: أن أحد الأنبياء، وقد أراد الله سبحانه وتعالى أن يعرفه على أثر الأمل والرجاء في نفوس الناس، والأثر المعاكس للقنوط واليأس، فمر على عامل فلاح، يعمل بجد، ويضرب في الأرض بمسحاته بقوة، ويزرع هذه الغرسة، ويسقي تلك الغرسة. وبعد قليل. إذا به يترك المسحاة والغرس، ويذهب يتكئ، وجلس كذلك مدة لا يعمل فيها.

فجاء هذا النبي، وسأله: ما هي قضيتك أنت؟ فأول ساعة كنت جادا، متحركا بفعالية. أما الآن فمرة واحدة، قعدت عن ذلك، ونمت نوم العجزة والكسالى. فماذا وقع عليك؟ فقال له: أنا أولا كنت أفكر أن الله سيطيل في عمري إن شاء الله، وعندي عيال، وأريد لهم أن تكون نفقتهم حاضرة، فيكبر بها الصغير، ويتزوج بها الشاب. فقلت هؤلاء يحتاجون إلى نفقة ويحتاجون إلى مال، ولا بد أن أشتغل شغلا جادا وشديدا. فرأيتني أزرع وأغرس وكذا، ثم فجأة صارت عندي خاطرة، أنه: أصلا، من يقول أني غدا موجود على وجه الحياة؟! أنا الآن كبير في السن، وجارنا الفلاني توفي قبلي بكذا سنة، وجارنا الآخر توفي قبلي بكذا شهر. فمن ذا يقول أني، أصلا، موجود غدا وبعد غد؟! إذا لست موجودا، فما الداعي أن أتعب نفسي بهذا المقدار، ولن أر ثمرة لهذه الأمور. فرأيت أن أترك هذا التعب وأستريح باقي عمري بلا داع للزرع ولا للغرس.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة