٣٣ بتوكل الإيمان نهزم اليأس والقنوط
كتابة الأخت الفاضلة أمجاد عبد العال
لا يزال حديثنا في موضوع الأمراض الأخلاقية والصفات السيئة التي قد تحدث في نفس الإنسان فتفسد عليه تعادله الأخلاقي وتوازنه الروحي. وقد وصل بنا الحديث إلى صفة القنوط واليأس، وقد تحدثنا في وقت سابق عن معناهما. وحديثنا في هذا اليوم، يكون بإذن الله عن بعض الآثار السلبية التي تترتب على تمكن اليأس من نفس الإنسان، ثم نتحدث عن بعض التوجيهات الدينية، ولا سيما فيما يرتبط بجانب الأذكار؛ للتغلب على حالات اليأس والقنوط.
بواعث القنوط واليأس وأسبابه، كما ذكرنا في وقت سابق، متعددة. منها: عدم معرفة طريقة الله عز وجل في إدارة الكون. فالإنسان عندما لا يعرف طريقة الله من الناحية النظرية، فلا يدرك كيف يدير الله هذا العالم. يتصور – مثلا - أنه لا ينبغي أن يتعرض المؤمنون إلى البلاء. فإذا رأى بشرق البلاد بلاء على المؤمنين، وفي غرب البلاد محنة لهم، يصيبه يأس وقنوط من رحمة الله. لا، تعال، انظر: طريقة الله عز وجل، فليست هي ما في ذهنك. طريقة الله: (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً). فتعرض المؤمن للبلاء هنا وهناك، والفقر في هذه السنة وتلك، والمرض في هذا العضو وذاك، هي هذه الطريقة الاعتيادية في التكوين. فإذا وقعت، فكل شيء يجري على القاعدة. وأنت متوهم عندما تتصور أن حياتك ينبغي أن تكون رفاهية تامة وكاملة ولا تتعرض فيها لأي صعوبة. مشتبه في فهمك لذلك. ولا بد أن تغير فكرتك.
فأحيانا يصاب الإنسان باليأس؛ لأنه لا يعرف طريقة الله، أسلوب الله - حسب التعبير - في إدارة خلقه. هذا واحد. ومما ذكرناه أيضا: ضعف الصبر عند الإنسان، وضيق الأفق عنده. فإذا قيل له أن الله يفرج عن المؤمنين وينصرهم، يتصور أنه ما دام قيل له هذا الكلام، فلا بد أن يتحقق ما قيل له بعد دقيقة. وإذا طال، فبعد يوم. فإذا أطال الله ذلك إلى شهر، أو سنة، فالأمر عنده كأنما منته.
لا، الله سبحانه وتعالى، بيده الزمان، وبحكمته يرسل الغيث بعدما قنطوا، ويرسل النصر بعدما يئسوا. وضيق أفق الإنسان، وعدم صبره، وتعجله النتائج، وفرضه أن المراحل ينبغي أن تحرق حرقا، هذا يجعله، عندما تتأخر الأمور، يقنط. كأن إذا قالوا له: تشفى إن شاء الله. الله يشفي المرضى. فيتصور أنه بمجرد أن انتهى هذا الكلام، سيغدو مشافى. لا. الشفاء له طريقة اعتيادية، تحتاج إلى مدة من الزمان، وليس قفلا كان مغلقا وتفتحه.
قيل له: (إن مع العسر يسرا)، فهو تصور أنه بعد أن تنتهي الآية المباركة، ستتيسر أموره كلها. والأمر ليس كذلك. فيستمكن - أحيانا - اليأس والقنوط من بعض الناس. يرى مثل هذا، وعلى أثر عدم معرفته بطريقة الله، وقلة صبره، وأحيانا قلة ثقته بالنتيجة من عند الله عز وجل. فيستمكن منه اليأس والقنوط، وتحدث على أثر ذلك عدة أمور في داخل نفسه.
واحد من تلك الأمور التي تحصل على أثر اليأس والقنوط: تناقص الإيمان. فإذا تلاحظون، وهذا عندنا معروف بين المسلمين، وليس فقط في المذهب، أن الإيمان يزيد، وأحيانا ينقص. فأصل الإيمان موجود، لكن درجاته درجات متعاليات. فالعبادات مثلا، واحد من أغراضها: تقوية الإيمان. عندما تقرأ سورة الفاتحة، تحمد الله عز وجل، تثني عليه، تطلب منه العون، تطلب منه الهداية، فهذه الممارسة العبادية، المفروض أنها مع تكررها تزيد في إيمانك. الصوم أيضا، المفروض كذلك. المستحبات أيضا، أكثر فأكثر.
هذه ليست مجرد حركات وألفاظ أنت تقولها، لا لشيء، وإنما يستهدف بها زيادة الإيمان. عكس هذا تماما ما تؤديه قضية: اليأس والقنوط. فيأتي أحدهم ويقول لك مثلا: أنتم تعدون أن مع العسر يسرا، والحال أني أرى الأمور مع الوقت تضيق في وجهي. فالعام الماضي رأس مالي مثلا: ١٠٠ ألف، أما هذه السنة أصبح: ٢٠ ألف! العام الماضي صحتي معقولة، أما هذه السنة عندي – وقانا الله وإياكم – ضغط وسكر وإلى آخره.