هذا مثال لأثري الأمل والرجاء، واليأس والقنوط. نفس الكلام في الحياة العامة. الإنسان إذا كان يأمل بأن الأمور تأتي بخير، سيشتغل من أجل استثمارها. مرت أزمة اقتصادية على بلده، فتارة يتصور أن هذه هي نهاية العالم، وليس من شيء بعد ذلك، فيتعامل معها على أساس أن كل شي منته ولا فائدة لأحد أن يستثمر ويشتغل ويتحرك. جنازة، أمامه جنازة، فماذا تفعل به؟!
وهناك شخص آخر، يقول: لا، الحياة هكذا. مرة تنزل، مرة تصعد، مرة تسوء، مرة تحسن. الآن في فترة السوء، لكن هذا لن يستمر إلى الأخير، سيتغير الوضع، فإذن، أشتغل بجدية؛ لأتجاوز هذه المرحلة.
الإنسان يمرض، أريتم قسما من الناس، مصاب بمرض خطير، وقانا الله وإياكم من الأمراض، ومع ذلك تفاؤله إلى آخر حد، ابتسامته تعترض كامل وجهه، تفاؤله بالحياة تفاؤل عظيم، وهؤلاء غالبا ما ينتصرون على أمراضهم.
وشخص آخر، ربما إصبعه مكشوط حسب التعبير، فيتصور أن هذا سكري، وأنهم غدا سيقطعون إصبعه، ولن يتمكنوا من السيطرة عليه، فسيقطعون يده، ويده لن تلتئم، فتصعد إلى كتفه، وإذا صعدت إلى كتفه، يموت. وكثيرا ما يحصل أن مثل هؤلاء اليائسين القانطين، تحصل لهم هذه الدرجات السيئة. فاليأس والقنوط يصنع من الإنسان جثة لا تتحرك. وشخصا لا فاعلية له. في مقابل ذاك الإنسان الذي عنده تفاؤل، عنده أمل، عنده تطلع، عنده ثقة برحمة الله وبفضله. فينشط، يتحرك، يصعد.
الأذكار الدينية عندنا - وأنا هنا ألفت النظر إليها - تؤكد وتركز على قضية الأمل بالله عز وجل. ولذلك غالبا تقول لك: قم بالأذكار. أول ما تبتدئ يومك، أول ما تقوم، قل: أصبحنا وأصبح الملك لله، لا حول ولا قوة إلا بالله. من هو ذاك الذي يستطيع أن يوقفني. ذاك زيد يأتي ويقول: أنا لدي الموظف الذي فوقي، والمدير في عملي، منعني من الترقي، وحجب عني الأموال، وغير ذلك. لكن، لا حول ولا قوة إلا بالله. فمن يقدر أن يقف أمام قوة الله عز وجل، إذا أراد بك خيرا. ومن يستطيع أن يواجهك إذا اعتمدت على الله وتوكلت عليه، لا غالب إلا الله، ولا ناصر إلا الله.
أقرأ عليكم بعض ما ورد من أذكار. وهي كثيرة، ولكن أقرأها بشكل سريع. في الكافي لثقة الإسلام الكليني، محمد بن فرج، قال: "كَتَبَ إِلَيَّ أَبُو جَعْفَر"، يعني الإمام الجواد (ع)، "ابْنُ الرِّضَا بِهَذَا الدُّعَاءِ وَعَلَّمَنِيهِ إِيَّاه، وَقَالَ: مَنْ قَالَ فِي دُبُرِ صَلَاةِ الْفَجْرِ لَمْ يَلْتَمِسْ حَاجَةً إِلَّا تَيَسَّرَتْ لَهُ وَكَفَاهُ اللهُ مَا أَهَمَّهُ". سأوضح هذه الفقرة، فيما بعد إن شاء الله؛ لأنها أيضا في غاية الأهمية. ماذا هو هذا القول؟ حديث، دعاء معروف، ولعل بعضكم يحفظه. "بِسْمِ اللهِ وَبِاللهِ، وَصَلَّ اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالعِبَادِ"، ما هو الجواب عليه في الآية؟ (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا)، هذه آية وجوابها.
كلام النبي: أنا أفوض أمري إلى الله، ولا أعتمد على أن زيد من الناس سيحجب عني الرزق أو عمر سيوقف عني ترقيتي، أو بكر سيفسد علي حياتي الزوجية، أو فلان سيعمل لي عملا كما يزعمون. لا، أفوض أمري إلى الله، إن الله بصير بالعباد. والجواب لهذا ماذا؟ (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا)، (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ). لماذا نحن نقرأ هذه في صلاة الغُفَيلة؛ حتى نتأمل فيها: (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ). والجواب عليها ماذا؟ (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ). هذه حالة أنبياء. حالة عامة الناس المؤمنين، أيضا تتمة لهذا الذكر وهذا الدعاء: (حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)، جوابها ماذا؟ (فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ). ثم أيضا تقول: ما شاء الله، لا حول ولا قوة إلا بالله. ما شاء الله لا ما شاء الناس. تقول: يتآمرون علي وتقول: يكيدون إلي، وتقول: يؤخرونني، وتقول: كذا. فما شاء الله هو الذي يكون، لا ما شاء الناس.