كيف نواجه الكسل في الحياة ٣١

كيف نواجه الكسل في الحياة ٣١
00:00 --:--

فقضية القدوات، تجعل الإنسان إذا جعل أمامه قدوات مناسبة واقتفى أثرها، سواء في درجة المعصومين، أو في درجة الناس العاديين، لأنه الآن، حتى إلى الآن، لو أنت تتبع حياة بعض الناجحين، في هذه الدنيا، حتى على المستوى المادي والاقتصادي والعلمي، لن تجد بينهم كسولا خاملا، وإنما لا بد أن يكون هناك نشاط وحيوية وحركة، هذا أمر ثان.

الأمر الثالث: ما يرتبط بالتعامل مع الوقت. فوقت الإنسان أيها الأحباب هو رأس ماله، ورصيده الذي لا يعوض. وللأسف كثير من الناس - إن شاء الله من يسمعنا ليسوا منهم - لا يستشعرون هذا الأمر. وليس هذا بغريب، فالشرع يأتي ويقول لنا، أو المعصوم يأتي فيقول لنا: "كُلُّ يَوْمٍ يَمُرُّ عَلَى ابْنِ آدَمَ يُنَادِيهِ". لكن من الذي يسمع؟!، "يَا بْنَ آدَمَ، أَنَا يَوْمٌ جَدِيدٌ، وَغَدَا عَلَيْكَ شَهِيدٌ، فَقُلْ فِيَّ خَيْرًا، وَاعْمَلْ فِيَّ خَيْرًا، فَإِنَّكَ لَا تَرَانِي بَعْدَ هَذَا أَبَدًا".

كم قُدِّر لك من السنوات؟ لنفترض ١٠٠ سنة. ١٠٠ سنة، أي: أمامك ٣٦ ألف يوم مثلا. فهذا اليوم، واليوم الذي بعده، واليوم الذي بعده، هذا يُذهب من رأس مالك، "يَا ابْنَ آدَمَ"، في حديث آخر: "إِنَّمَا أَنْتَ عَدَدُ أَيَّامٍ، إِذَا مَضَى بَعْضُهَا، فَقَدْ مَضَى بَعْضُكَ"، يعني: لو يمكن التصوير إلى الإنسان، أن اليوم سيذهب من إصبعه هذا المقدار، واليوم الثاني، هذا المقدار، واليوم الثالث مقدار ثالث، فيرى أنه بعد مدة من الزمان، جزء من بدنه قد انتهى. والحقيقة هي هكذا، لكن الإنسان لا يلتفت

فبعد انقضاء هذه المدة، ينتهي ويذهب. وليس معلوما كم هي عدد أيام الإنسان؟ وقد ذكرنا هذا أكثر من مرة: أن ابن العشرين يذهب، وابن الثلاثين يذهب، وابن الأربعين يذهب، وابن الخمسين يذهب، وابن الستين يذهب، والسبعين، ولا تعلم، لا أنت ولا أنا، من أي هؤلاء سنكون.

فملاحظة أمر الوقت، واستغلاله، واستثماره، واعتباره أعظم رصيد عند الإنسان أمر مطلوب. فرصيدك ليس المال، رصيدك وقتك. المال لا يمكنه أن يأتي بوقت، لكن الوقت يمكنه أن يأتي بمال. فلو أن مليارديرا الآن، قال: أنا أريد أن أشتري سنة إضافية، هل من أحد يبيعه ذلك؟ لا أحد. نعم، هناك أعمال أخرى تطيل عمرخ، تلك التي ترتبط بالقضايا الأخروية، لكن إذا عرفت كيف تستثمر وقتك، فحتى الأموال تأتي لك بالوقت.

لذلك، حتى أولئك التجار الكبار، الربع ساعة، بالنسبة إليه، شيء كثير، ووقت زائد. والنصف ساعة أيضا، لأنه يمكنه أن يشتغل فيها مزيد شغل. فإذا التفت الإنسان إلى أن الوقت هو رأس ماله الحقيقي، وليس ماله هو رأس ماله، ولا العقار، فرأس ماله وقته، لأن وقته من عمره، من زمانه، من بدنه، فتعامل معه التعامل الحسن، آنئذ يستطيع أن يتجاوز آثار الكسل. أما الإنسان الذي، بالنسبة إليه، غير ذلك، فكذلك الحيوان، حاشا من يسمع.

فهناك في أمريكا اللاتينية، وأستراليا، وأنا رأيته عندما ذهبت إلى أستراليا، حيوان اسمه الكسلان. يقولون: هو من أكثر الحيوانات نوما وكسلا وبطئا، إذ يتعلق على الشجرة معينة، ولا يتحرك أبدا. فإذا مرت عليه حشرة، أكلها، وإذا لم تمر، مال على ورق الشجر، وظل يأكل منها. وهذا يظل هكذا لأكثر من ٢٠ ساعة في اليوم، هو نائم. حتى يقال أنه: تبنى عليه الطحالب. أرأيتم بعض الأشجار في الغابات، وعلى الجذوع، ثم شيء أخضر. هذا يكون عليه عليه ذلك الأخضر، ولكنه لا يلتفت، انبنى عليه إن شاء الله طحلب، لو انغرس فيه عمود.

فهل يشرِّف الإنسان أن يكون بهذا النحو كسلا؟ ينام بلا حدود، يعطل بلا حدود. لا يراعي وقته، ولا يراعي عمره، ولا يراعي زمانه، ولا يراعي رصيده الذي يذهب من عنده. فهل يشرِّفه أن يكون مثل هذا؟ أم لا؟

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٤

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة