يقال: أن جماعة جلسوا يتذاكرون في قيام الليل، فقال واحد مثلا: قيام الليل عندي، من أوله، لأن صلاة الليل، هي المستحبة العظيمة فيه، ويبدأ وقتها الشرعي من منتصفه. وأما إذا الإنسان كان ثقيل النوم أو كذا، فيستطيع أن يبكر بها قبل ذلك المنتصف. فواحد من الجالسين قال: أول الليل، والثاني قال: أنا أقوم لها بعد ثلثي الليل، والثالث قال: أنا أقوم لها قريب من الفجر. وواحد من الأعراب، هناك جالس، فقالوا له: وأنت؟ أتقوم الليل؟ قال: نعم، أنا أيضا أقوم الليل، فقالوا له: وماذا تفعل؟ فقال: أقوم للتبول ثم أعود للنوم ثانية. فقد يقوم الإنسان ليلا، ولكن ليس هذا المقصود من قيام الليل. فأنا أقتدي برسول الله (ص) في مسألة القيام ليلا، يعني في ذكر الله ليلا، في ذلك الوقت، بالتنفل بشيء من النوافل، لا أنه أقوم لثلاجة فآكل ثم أرجع للنوم، فهذا ليس قياما لليل، أو أذهب إلى الحمام وأعود.
الذي يريد أن يكون النبي قدوته، يتنفل في الليل ولو بشيء بسيط، وهذا في العبادة. أما في الحياة العامة، فقد كان النبي نشيطا، حيويا، حَرِكا. ومثلي وأمثالي في هذه الدنيا، لا يمكن أن يكون – أصلا - بينهم وبين النبي وجه شبه في هذا الموضوع.
أنقل لكم شيئين، الشيء الأول: مشية النبي (ص)، فلم تكن مشية النبي مشية كسلان ولا عاجز. إذ وصفوا مشيته بأوصاف كثيرة، منها: ما وصف ابن عباس، في الخبر عنه، أنه قال: كان النبي (ص) إذا مشى، مشى مجتمعا، أي مشى مشيا مجتمعا، يعرف أنه ليس بمشي عاجز ولا كسلان.
مشي المجتمع مثل مشي الإنسان الرياضي. كيف يتحرك الرياضي، قد يكون مثلي وأمثالي، إذا مشى يسحب نعاله على الأرض، ويثير الغبار. وحتى هذا المقدار، من المشية القوية، التي بها يُرفع النعال من الطريق، لا يفعل. فيذهب بيد إلى هذا الصوب، وبيد أخرى، إلى ذاك الصوب. وربما لو نكزه أحد، لسقط على وجهه أو قفاه. فالنبي (ص) كان إذا مشى يمشي مشية يعرف فيها بأنه ليس بمشي عاجز ولا كسلان، وكان إذا امتطى صهوة الفرس، كان ذلك الفارس.
فقد قيل أنه طرق خبر في المدينة ليلا، صارت ضجة وكذا. وهذه تحدث أحيانا، خصوصا في تلك القرى التي ليس فيها أصوات، وبمجرد سماع ولو طرقة واحدة منتصف الليل، يشيع الخبر، ويهلع الناس. فإذا بالنبي (ص) راجع من ذاك المكان، إلى الناس: وهذا يسأل ماذا حدث؟ وذاك يقول: ماذا حصل؟ وهذا يقول كذا. والنبي ركب فرسه وانطلق إلى مصدر الصوت، وقال لهم: لن تراعوا، ليس هناك من شيء، ارجعوا إلى أماكنكم. فهذا لا يمكن أن يطرأ عليه الكسل.
بعضنا بالنسبة إلى صلاة الصبح، التي هي الفريضة، فليس القضية خبر، فاركب الفرس واذهب لتنظر. لا، صلاة الصبح الفريضة، لا تبقى إلا ساعة ويقرع جرسها، فلا يبقى جوال إلا وعزف كل موسيقاه، وهذا ينادي، وذاك ينادي، وتمر نصف ساعة، وثلاثة أرباع الساعة، وهو بعد لم يقم للصلاة، فضلا عن الأمور الأخرى المستحبة.
فيحتاج الإنسان إلى أن ينظر إلى من تكون قدوته في هذه الحياة ومن يقتفي أثره؟ فلو كان النبي بيننا، في هذا الموقف، فماذا كان يصنع؟ في ذاك المكان، ماذا كان يصنع. وهكذا الحال بالنسبة إلى مولانا أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه.
قدوة الإنسان مؤثرة في رفع كسله. الآن، إذا تريد أن تذهب إلى المعصومين، وتقول هؤلاء مؤيدون من قبل الله وكذا وكذا، فانظر إلى حياة الناجحين، إلى حياة العلماء، إلى حياة البارعين، إلى حياة المخترعين، إلى حياة المكتشفين، إلى حياة الفقهاء، لم يأتي أحدهم بشيء في هذه الدنيا وقد كان كسولا. إذ لا بد أن يكون نشطا، لا بد أن يكون حركا، لا بد أن يكون دأب، فإذا اشتغل، فهو يحتاج إلى سهر على شغل، وليس إلى أن يسهر على جلسات، والتي سنأتي عليها في موضوع السهر.