أم ذاك الإنسان الذي يبادر، يبكِّر، "بُورِكَ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا"، يعني: في تبكيرها من الصباح. فالإنسان يقوم ويذهب وراء عمله. إن في جانب علمي، فهو يبدأ نشاطه العلمي من بعد صلاة الفجر. وإن في جانب عملي، فيتهيأ من ذاك الوقت، هو قائم ويرتب أمره؛ لكي يخرج إلى رزقه.
قسم من الناس، يقول: أصحو، ماذا أفعل؟ والسؤال: تنام، ماذا تفعل؟! وليس تصحو، ماذا تفعل؛ لأن ذلك الوقت، بحسب ما ورد في الروايات، وأشرنا إليها فيما سبق، هو وقت توزيع الأرزاق، وبينا ماذا يعنى توزيع الأرزاق في ذلك الوقت.
وبالمناسبة، نحذر من قضية السهر، هذه العادة السيئة التي تسربت إلى مجتمعنا. فأصبح حتى الأطفال الآن، طفل ١٠ سنوات، و٦ سنوات، و١٢ سنة، يقول: نريد أن نسهر! أنت طالب مدرسة، ولا بد أن تنام - بحسب عمرك - وقتا كافيا، ولا يكفيك، إذا تظل سهرانا إلى الساعة ١٢، أن تنام، ولا بد أن تصحو الساعة الخامسة والنصف! لا يكفي، حسب مرحلتك العمرية، هذا المقدار من النوم.
تعلم أبناءنا الصغار فكرة السهر. وهذه الفكرة، هي للكبار سيئة فما ظنك بالنسبة للصغار؟! لا سيما إذا كان السهر خارج البيوت، ففيه مشاكل أخلاقية، وبيوت تتأثر، وقضايا زوجية، وتحدث مشاكل. فغياب الأب عن بيته، إضافة إلى أن نفس هذا الإنسان، مهما نام في الليل، فبعد ذلك السهر، لا ينام نوما هنيئا، ولا يقوم بوظائفه تجاه أهله، وتجاه صحته، وبدنه أيضا. فغدا يقوم الصبح وأخلاقه متعكرة، فكره أيضا، بدنه أيضا، ولا بد أن يذهب بسرعة للعمل.
نعم، في بعض الموارد المستثناة من ذلك، حتى عندنا في الشرع وارد: "لَا سَهَرَ إِلَّا فِي أُمُورٍ، تَهَجُّدٌ بِالقُرْآنِ"، إنسان ينام في وقت، ثم يسهر على القرآن بما يشمل العبادة، وهذا لا بأس به. بحيث يرتب وقته، فينام مبكر مثلا، ثم يقوم في جوف الليل؛ للعبادة. أو يعكس الأمر، فيتعبد أول منتصف الليل، ثم ينام: "تَهَجُّدٌ بِالقُرْآنِ أَوْ سَهَرٌ فِي طَلَبِ العِلْمِ"، عنده مسألة علمية، لا بد أن يذهب وراءها بشكل قوي ودقيق: "أَوْ عَرُوسٌ تُهْدَى إِلَى زَوْجِهَا"، وهذا السهر الذي يحكى عنه هنا، هو بمقاييس صدور الحديث، وليس بمقاييسنا.
ففي ذاك الزمان، بعد وقت العشاء، الذي هو بحدود ٧:٣٠ هذه الأيام، يعتبر بعده الواحد الذي يظل عقب هذا الزمن بساعة وساعتين، هو سهران. أما الآن، فعند قسم من الناس، للتو: بسم الله الرحمن الرحيم. ويقول لك: نريد أن نسهر. من متى؟ نبدأ من الساعة ١١، الساعة ١١ أي: للتو تبدأ السهرة. هذا بالنسبة إلى زمان صدور الحديث، فيعتبر آخر الليل، وقريب من الفجر.
لذلك نحذِّر من هذه العادة للكبار، ونحذِّر بشكل أشد أيضا الصغار؛ لآثارها السيئة على الأخلاق، وآثارها السيئة على البدن والصحة، وآثارها السيئة على الدراسة والتعلم، وآثارها السيئة على طلب الرزق والعمل. وللحديث - إن شاء الله صلات وبقايا - قد نتعرض إليها، في وقت آخر، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.