٢٩ كيف نواجه الكسل في الحياة؟
كتابة الأخت الفاضلة أمجاد عبد العال
في الحديث الوارد عن سيد الأنبياء المصطفى (ص)، في وصيته لأبي ذر الغفاري. وأيضا، نقلت في وصية النبي لأمير المؤمنين (ع)، أنه قال: "وَعَلَى العَاقِلِ أَنْ لَا يَكُونَ ظَاعِنًا إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: تَزَوُّدٍ لِمَعَادٍ، أَوْ مَرَمَّةٍ لِمَعَاشٍ، أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ". ومثل هذا النص أيضا، منقول عن سيدنا أبي عبد الله، جعفر بن محمد الصادق (ع)، أنه قال في حكمة آل داوود: "يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ العَاقِلِ، أَنْ لَا يَرَى ظَاعِنًا إِلَّا فِي ثَلَاثٍ، مَرَمَّةٍ لِمَعَاشٍ، أَوْ تَزَوُّدٍ لِمَعَادِ، أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ". هذا النص، سيكون منطلقنا إلى الحديث عن موضوع: كيف نواجه الكسل الذي هو أحد الأمراض الأخلاقية، والصفات السيئة.
فيما يرتبط بهذا الحديث، أو الرواية، نلاحظ ملاحظتين: الملاحظة الأولى: أن النبي (ص) أوصى باثنين من أهم أصحابه، وأكثرهم إخلاصا له، الأول: وصيه أمير المؤمنين (ع)، والثاني الذي وصفه بأنه "الْأَصْدَقُ بَيْنَ الأَصْحَابِ"، "مَا أَظَلَّتْ الخَضْرَاءُ"، يعني: السماء، "وَمَا أَقَلَّتْ الْغَبْرَاءُ"، يعني: الأرض، "عَلَى ذِي لِهْجَةٍ، أَصْدَقُ مِنْ أَبِي ذَرٍّ". فهي وصية لشخصيتين استثنائيتين، ومن خلالهما لأبناء الأمة جميعا.
يضاف إلى ذلك، أن نفس هذا الحديث، ينقله، الإمام الصادق (ع)، عن حكمة آل داوود. يعني: هذا المعنى، هو موجود أيضا في وصايا الأنبياء السابقين، في وصايا داوود وآله الذين أوتوا الحكمة. وهذا يشير إلى أن هذا المعنى الذي يتوارثه الأنبياء، ويكون محط وصيتهم، ينبغي أن يكون خريطة عامة للإنسان.
ملاحظة أخرى، أنه ورد في الرواية التي عنونها الإمام الصادق، أنها: في حكمة آل داوود، ورد لفظ "يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ الْعَاقِلِ". وقد يثير هذا السؤال - مثلا - هل أن هذا اللفظ، لفظ المسلم، كان في زمان داوود ومن يشبه من الأنبياء السابقين، أو هو لفظ حصل بعد مجيء رسول الله (ص)، والجواب على ذلك، أننا نعتقد أن دين الله الذي نزل عند جميع الأنبياء والمرسلين، هو الإسلام. كما قال القرآن الكريم: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ)، فالإسلام بمعنى التسليم لله، والاستجابة لأوامره، هو خلاصة كل الرسالات السماوية. نعم في خصوص الرسالة التي جاء بها نبينا محمد (ص)، عنونت بهذا العنوان الخاص لأسباب مختلفة، منها: لأن فيها كمال التسليم والإسلام والاستسلام لله عز وجل، ومنها أسباب أخر، لا نتعرض الآن إليها.
من هذا الحديث الذي يبين لنا ما هو برنامج حياة الإنسان، يُعلم من أن ما عليه البعض من الكسالى في الحياة، يخطئون في الخريطة الأصلية. ومشكلة الإنسان عندما يخطئ في الخريطة الأصلية، ذاك الوقت، مهما مشى سريعا، لا يصل.
لنفترض أنك تريد أن تذهب إلى مكة المكرمة. فالمهم جدا أن تضع في البداية الخريطة الصحيحة المناسبة، ثم إذا كانت خريطتك سليمة، سواء أسرعت أو أبطأت، النتيجة سوف تصل إلى ذلك المكان. وأما إذا كانت خريطتك الأصلية خريطة خاطئة، ولنفترض - فمكة بالنسبة لنا هي جنوب غرب - والإنسان اتجه شمال شرق، فحتى لو يمشي بسرعة الصاروخ، لن يصل إلى المقصد. فكلما مشى يزداد بعدا عن الهدف، سواء أسرع أو أبطأ، هو لا يصل إلى الهدف. لذلك من المهم جدا أن يفكر الإنسان في خريطة حياته الأصلية؛ لكي إن أسرع فيها، بالنتيجة سوف يصل. أما إذا كانت الخريطة خاطئة، معكوسة، فسواء أسرع أو أبطأ، لن يصل.
هذا الحديث هو بمثابة الخريطة العامة للإنسان. وهذا الذي يدعونا إلى الاستشهاد به، أن قسما من الناس عنده حالة كسل، لماذا؟ لأن خريطته في الحياة خريطة خاطئة، فإما على مستوى العقيدة مخطئ أم على مستوى الممارسة. فهؤلاء الذين قالوا (مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ)، في آية أخرى: (إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ). هذه الفكرة، هذه النظرية عن الحياة، تجعل حركة الإنسان في اتجاه آخر. فالذي يعتقد أن الحياة هي عبارة عن ميتة، وحياة، وراحة، ولذة، واقتناص فرصة، وتكييف، وما شابه ذلك، ما الذي يدعوه أن يبذل جهده في العبادة. فهي لحظته الحاضرة، فيستثمرها في اللذة الكاملة، وهذه عقيدة قسم من الناس. حتى إذا كان لا يعتقد بذلك في داخل ذهنه، لكنه يمارسها على الطبيعة. تسأله: غدا ما هو برنامجه؟ يتسكع من هنا ومن هناك. وإذا كان المنحرف، فيصطاد فتاة، أو هي تصطاد فتى. وذاك الآخر، يفكر كيف يلعب على هذا وعلى ذاك، وعلى هذا المعدل.