هذا في واقعه لا يفكر أن الله سبحانه وتعالى ما خلقه عبثا، ولم يتركه سدى، وأنه محاسب على كل ما يعمله، وأنه يصرف من رصيد لا يرجع إليه، وأنه لا بد أن يستثمر عمره فيما ينفع. فالحديث يأتي ويقول: أن اجعل حركاتك – وهذا مما ينبغي للعاقل، وينبغي للمسلم - أن لا يكون ظاعنا، متحركا، مسافرا، إلا في واحدة من ثلاث: "إِمَّا مَرَمَّةً لِمَعَاشٍ" - وفي بعضها مرمة لمعاد – أي: ترميم، أن ترمم حياتك المادية عن طريق الكسب الحلال، والانشغال الجدي بالعمل الاقتصادي؛ لأن هذا يغنيك عن غيرك، ولا يجعلك كلا على الآخرين. لا أن تستسهل كل يوم - ذاك البعيد – أن تفتح وجهك على هذا، فتطلب مساعدة، وعلى ذاك، وتطلب مساعدة، وتظل تدور بينهما. فعندنا في الرواية: "مَاءُ وَجْهِكَ جَامِدٌ يُقَطِّرُهُ السُّؤَالُ"، فلا تستسهل أيها الإنسان أن تطلب، ازهد في الشيء ولا تسأل، قتر على نفسك ولا تمد يدك، إلا إذا بلغت التراقي، كما يقولون.
أما قسم من الناس، فقد أصبح الأمر عاديا جدا بالنسبة إليه، فيسأل صاحب البقالة، ويقترض من هذا ولا يسدد، ويطلب من ذاك ولا يهمه، وعلى هذا المعدل. وهذا ليس نمط حياة أراده الله سبحانه وتعالى له. فالله أكرمه، فجعل له كرامة، وشخصية، فلا ينبغي منه أن يستسهل بهذه الكرامة عندما يريق ماء وجهه هنا وهناك.
نعم، فلان من الناس، أحاطت به ظروف قاهرة لا يستطيع لها دفعا، فذاك منه قد يكون مبررا. لكن لا أن يصبح هذا هو أول الطرق، وأسهل الطرق. فالمطلوب أن يكدح الإنسان، يسعى، يتحرك في مناكب الأرض، يهاجر، يغترب. وقد ذكرنا في الحديث عن فقرة الكسل في أمر المعيشة، كيف أن الأحاديث تشدد على الاغتراب في طلب الرزق، وأنه إلى هذا المقدار: أن يهاجر عن وطنه، فقد يكون هذا، في حركته، حركة في ترميم معاشه.
"أَوْ تَزَوُّدٍ لِمَعَادٍ"، تزود لمعاد، أي: الأمور الأخروية، من: صلاة، وصيام، وزيارة، وحج، وعبادات. ومن الممكن لكثير من الأمور، حتى المباحة منها، أن يحولها الإنسان إلى عبادة. وسبق القول، بأنه: حتى ذهابك إلى العمل، من الممكن أن يتحول إلى عبادة. وذلك عندما تنوي به نية، مفادها: أنك ذاهب إلى العمل؛ لكي تستعين بناتج عملك، على أداء حقوق الله، فهذا يتحول إلى عبادة؛ ولكي تستعين بناتج عملك وراتبك؛ للصرف على أهلك، فهذا يتحول إلى عبادة. فالمشوار نفسه، وأنت قاطعه، وذاهب فيه، لكن في الأول: هو مرمة لمعاش. وفي الثاني، مع النية: هو مرمة لمعاش، وخطوة لمعاد، أي يتحول إلى عمل عبادي.
"أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ". فإنسان يذهب للتنزه، للترفيه، مع الإخوان، مع الأحباب، فيرفه عن نفسه، يسعد نفسه، بالسفر، بالحضر، بالذهاب هنا، بمجالسة الإخوان هناك، وهذه كلها لذات، ولكن، لا يختلط بها الحرام.
فهذا أول شيء يجعلنا نواجه الكسل. وهو أن الإنسان الذي يمتلك خريطة حياة صحيحة لكل وجوده، ويرى أن هذا الوجود ليس لعبة، وليس هو مثل ذاك الذي قال: "طنش، تعش، تنتعش"، فهذه ليست فلسفة الحياة السليمة. فلسفة الحياة السليمة: أن الإنسان لم يخلق عبثا، وأنه إذا يريد أن يتحرك، فليجعل حركته في إطار: مرمة المعاش، تزود المعاد، اللذة غير المحرمة؛ وبهذه يحقق السعادة لنفسه. فهذا أول أمر من الأمور التي ينبغي أن يلتفت إليها الإنسان، ويواجه الكسل بها.
الأمر الآخر، ما يرتبط بالقدوات. فبمن تقتدي؟ لو تسأل أي إنسان، يقول لك: أنا أقتدي برسول الله، أنا أقتدي بأمير المؤمنين، أنا أقتدي بالأعاظم، لكن هذا الكلام لا ينفع وحده، ففرق بين أن تتمنى الاقتداء بهذا العظيم، وبين أنك بالفعل مقتد به. فإذا كنت تمشي كما مشى، ولو بمقدار طاقتك، فأنت مقتد به بالفعل، ولو لم تقل. وإذا كنت على غير ذلك، فحتى لو قلت: أنا أقتدي بالنبي، لا ينفعك قولك بشيء. فالنبي المصطفى (ص) أدأب نفسه في العبادة، وقام الليل حتى جاء الوحي مخففا عليه: (طه. مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ). فأنا الذي أقول أني أقتدي بالنبي، هل عندي أصلا قيام في الليل؟ ذكر لله في الليل؟ كلا.