الأمر الآخر: والله العالم، أن هذه الطريقة، "لَعَلَّكَ عَنْ بَابِكَ طَرَدْتَنِي، وَعَنْ خِدْمَتِكَ نَحَّيْتَنِي،"، أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي آلَفُ مَجَالِسَ ..."، ستلاحظون ١١ فقرة، أي ١١ عاملا من العوامل، جاءت كلها بصيغة لعل. وهذا قد يعلمنا شيئا آخر، وهو أن الظواهر، سواء النفسية أو الاجتماعية، لا تعلل بشيء واحد، ولا تتأثر بشيء واحد، وقد يكون لها جهات متعددة.
فظاهرة معينة، قد يكون فيها جهة اقتصادية، وقد يكون فيها جهة اجتماعية، وقد يكون فيها جهة نفسية، وقد يكون فيها جهة نظرية وعلمية، وقد يكون فيها جهة شخصية خاصة بهذا الإنسان؛ لذلك – ربما - الإمام (ع) عدَّد عوامل مختلفة، وأوصلها إلى أحد عشر عاملا في هذه الظاهرة، ظاهرة أنه: لماذا أكون كسولا عن العبادة أو في العبادة؟
لأن الإنسان – أحيانا – لا يقوم أصلا وراء العبادة. فزيد من الناس، يقول لك: أنا من سنتين، لم أذهب إلى المسجد لصلاة الجماعة، كلها صلواتي فرادى، وهذا كسل عن العبادة. مثلا: أنا مقتصر فقط على الفرائض، هذا كسل أيضا عن العبادة.
وهناك - أحيانا - كسل في العبادة، مثلا: نفس الصلاة التي أصليها، أقرأها بتثاؤب يرقع تثاؤب، أو: ترى من يصلي مشغول بكل شيء إلا بالصلاة. فمرة يعدل لحيته، ومرة يعدل عقاله، ومرة يجر غترته، وأخرى يحك فخذه، وثالثة كذا، ورابعة كذا، وهذا شيء من الكسل والتثاقل في داخل العبادة، فليس فيها توجه، ولا التفات.
فالإمام (ع) يبين أحد عشر جهة. ولأن الوقت غير كاف، سنتعرض إليها بشكل سريع: "لَعَلَّكَ عَنْ بَابِكَ طَرَدْتَنِي، وَعَنْ خِدْمَتِكَ نَحَّيْتَنِي"، وهذه عقوبة من العقوبات، نعوذ بالله منها. فإذا رأى إنسان نفسه غير مقبل على باب الله عز وجل، وغير طارق لبيت من بيوت الله، وغير قائم، وغير موفق للنوافل: لصلاة الليل، للدعاء، للمناجاة، للتوسل، فليعلم أنه يُحتمل أن يكون هذا عقابا من الله. أقول: يحتمل.
يقال: أن رجلا من بني إسرائيل، كان مستقيما وصالحا وعابدا، ثم على أثر تأثر بالدنيا والشهوات، ترك هذا المشوار، وأصبح في الاتجاه المخالف. لكن لم بتغير عليه شيء، يعني أمواله التي كانت عنده، إذا ما زادت، لم تنقص، والتنعم الذي هو فيه، لم يتبدل. فجاء إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل، وقال له: أنتم تقولون أنه: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا)، أين؟ فلم يتغير علي شيء، نفس الراتب الذي أتقاضاه، إذا ما زاد، لم ينقص. ونفس اللذات، نفس النعم، فأين مقالتكم؟ فقال له: الله الآن يعاقبك. فقال له: وكيف يعاقبني؟ فجاء الوحي من الله عز وجل إلى ذلك النبي: أن أخبر فلانا كم عاقبتك ولم تشعر! ألم أسلبك حلاوة ذكري، ولذة مناجاتي. وهذه عقوبة.
عقوبة، لا يعني أني يأتي الله ويصفعك على وجهك. يكفي أنه يجعلك لا تقبل على الدعاء، على المناجاة. لا تقبل على الله، بل تقبل على أعداء الله. لا تطلب من الله، بل تطلب من خلق الله. لا ترتاح إلى ذكر الله، بل تجلس إلى عامة الناس وتكلمهم في نكات وهرج وتعليقات وسخرية، فأنسك بهذا. أما إذا أنت منعم من الله، فأنسك بمناجاة الله عز وجل، وأنسك بذكر الله عز وجل، فإذا ما كان هكذا، فاحذر أن يكون ذلك عقوبة.
فلذلك واحد من الأسباب التي قد يتورط فيها الإنسان: أنه مطرود من رحمة الله عز وجل، مطرود من باب الله، مطرود من خدمة الله. فخدمة الله شرف، والناس، أو الدنيا، يتشرفون – مثلا - بخدمة هذا الرئيس، وهذا السلطان، فإذا جاؤوا مكانا، قالوا فيه: أنا نائب الرئيس الفلاني، فتمشي أموره. أنا نائب السلطان الفلاني، أنا نائب الملك الفلاني، أنا نائب السياسي الكذائي، فتمشي أمورهم.