عوامل الكسل في العبادة وعنها ٣٠

عوامل الكسل في العبادة وعنها ٣٠
00:00 --:--

عندما تذهب إلى النزهة أحيانا، فبإمكانك أن تحولها إلى عبادة، وذلك عندما تنوي أنك تتنزه؛ لكي تستقبل أمر الحياة بنفس مفتوحة، وأمر أهلك بأخلاق منشرحة، ومع إخوانك بصدر واسع، ثم تقبل على هذه الحياة. فمثل هذه النزهة، والضحكة، والمزحة، بإمكانك أن تحولها إلى عبادة. مثلما أن العبادات بالمعنى الاصطلاحي الخاص، مثل: الصلاة، والصيام، هي عبادة. تلك الأمور بإمكانك أن تجعلها عبادة. وهذا صريح أجوبة المعصومين (ع).

فقد جعل ذلك حتى في المقاربة الزوجية: صدقة، وعبادة، وثواب، إذا أراد الإنسان من ذلك إعفاف نفسه عن الحرام. فإذا كانت غاية خلقة الإنسان العبادة، بهذا المعنى الشامل، فمن المطلوب منه أن لا يفتر فيها، وأن لا يتكاسل عنها، وأن لا يتثاقل عن أدائها.

وهنا الحديث، وبشكل أخص، يشير فيه الإمام (ع) إلى حالة تعرض للإنسان، وهي: الكسل في العبادة بالمعنى الخاص: يريد أن يصلي، فيعرض له النوم. لكن لتكن ثمة جلسة ومباسطة، فلا مشكلة. أما ركعتان، تحتاجان إلى خمس دقائق، فبالنسبة إليه، فيها ٢٠ مرة تثاؤب. بينما جلسة وضحكة وإلى آخره، فلا مشكلة فيها، ويمكنه أن يبقى فيها ساعتين. أما دعاء، مناجاة، وليس مقصود بها خصوص الدعاء الجماعي، لا. حتى الدعاء الفردي. فأحيانا الإنسان قد يتأثر في الدعاء الفردي، أكثر مما يتأثر في الدعاء الجماعي. وأحيانا عكس ذلك. فتراه قد يأتي لكي يقرأ، فإذا به يمل، وإذا به يتثاقل.

الإمام (ع) يصف هذه الحالة، يقول: ""اللهُمَّ إِنِّي كُلَّمَا قُلْتُ قَدْ تَهَيَّأْتُ وَتَعَبَّأْتُ"، أي: تجهزت، واستعديت، "وَقُمْتُ لِلصَّلَاةِ بَيْنَ يَدَيْكَ وَنَاجَيْتُكَ"، فهذا كله استعداد، تعبئة، تهيئة. أذهب إلى البيت الحرام، يعني، أنا الآن آت إلى مكة المكرمة، بجوار الكعبة، فلأحيي الليل بالعبادة، لكن لا ألبث أن أذهب إلى هناك، فأصلي ركعتين، وأتعبد، حتى أكلُّ! أريد أن أبدأ مناجاة، أقرأ سطرين، ثم بعد ذلك أنشغل بهاتفي وما فيه من أمور! أو أبدأ بالتفرج هنا وهناك على الطائفين والراكعين! وأحيانا لا، الإنسان بينه وبين نفسه، "أَلْقَيْتَ عَلَيَّ نُعَاسًا إِذَا أَنَا صَلَّيْتُ، وَسَلَبْتَنِي مُنَاجَاتَكَ إِذَا أَنَا نَاجَيْتُ"، هذا هو ظاهر الأمر، أن النعاس ألقي علي، فما هو السبب؟ لذة المناجاة لا تكون عندي حتى أستمر فيها، فلماذا هذا؟ ما هي العوامل؟

"مَالِي كُلَّمَا قُلْتُ قَدْ صَلُحَتْ سَرِيرَتِي، وَقَرُبَ مِنْ مَجَالِسِ التَّوَّابِينَ مَجْلِسِي عَرَضَتْ لِي بَلِيَّةٌ أَزَالَتْ قَدَمِي وَحَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ خِدْمَتِكَ سَيِّدِي"، هذا توصيف للحالة. فما هي العوامل؟ لاحظوا تعبير الإمام (ع) في جهتين، الجهة الأولى: تعبير، لعل، لعل. وهذا يعلمنا عدم الجزميات، مع أن الإمام (ع) يعرف بالنسبة إلى هذا الشخص ما هي مشكلته تحديدا، ولكن يطرحها بصورة: لعله، أي: ربما. أما نحن فطريقتنا ماذا؟ أي خبر، انظر أنت، وامتحن نفسك مع نفسك ومع غيرك، لما تقول: فلان حدث قد وقع. فلان كان – مثلا - مستقيما، أصبح منحرفا. ففورا لديك جواب، وجواب جزمي وحتمي وليس من جواب آخر أصلا. فلان واحد قال هذه الكلمة، ففورا لديك جواب جزمي وحتمي، وليس من محل إلى: لعل، ولا مجال للتردد.

فالإمام كأنما يريد أن يعلمنا، أنه: إذا أردنا أن نحلل ظاهرة أو قضية، أن نضع احتمالات لها، ولا نطرح هذه الاحتمالات على أساس أنها جزمية، فنقول: ليس هناك غير هذا، فإما هكذا أو هكذا، إما جاهل أو مغرض. ونقفل الباب. إما هذا السبب أو ذاك السبب! من أين؟ هل نحن أحطنا علما بكل الأسباب والعوامل والجهات حتى نأتي ونقول: هذا هو فقط لا غير، أو إما هذا أو إما ذاك.

لعل - والله العالم - الإمام عندما يريد أن يبين لنا بهذا الأسلوب، أسلوب لعل، هو يريد أن يقول لنا: أنتم - يا أيها الناس - مع قلة علمكم، ونقص معارفكم، وعدم إحاطتكم بالأشياء، لا تجعلوا الأمور عندكم جزمية. لا تقولوا: بيس هناك إلا هذا السبب، ولا توجد إلا هذه الجهة. فما يدريكم أنه ليس هناك إلا هذا السبب، وما يدريكم أن هذا الترديد إما هكذا وإما كذاك، وانتهى. هل نحن عالمون بالغيوب؟! هذا واحد من الأمور.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٤

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة