عوامل الكسل في العبادة وعنها ٣٠

عوامل الكسل في العبادة وعنها ٣٠
00:00 --:--

أنا خادم زيد وعبيد، فكيف يكون خادم الله عز وجل؟ فإذا نُحِّيَ عن هذه الخدمة، عن هذه العبادة، فيقال له: أنت لست عبدي، لست بخادمي، لست قريبا مني. أنت مطرود عن بابي. فهذا شيء يحصل للإنسان، فيتثاقل عن العبادة، ويتكاسل عنها.

"أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي مُسْتَخِّفًا بِحَقِكَ فَأَقْصَيْتَنِي"، الاستخفاف: درجة أسوأ من العصيان. فالاستخفاف بحق الله عز وجل، درجة أسوأ من عصيانه؛ لأن العصيان - أحيانا - يكون بدون الاستخفاف، وأحيانا مع استخفاف. فإذا صار العصيان مع الاستخفاف، فعقوبته أكبر. لذلك في بعض الأحيان، لدينا أدعية، ورد فيها: "إِلَهِي مَا عَصَيْتُكَ حِينَ عَصَيْتُكَ وَأَنَا بِرُبُوبِيَّتِكَ جَاحِدٌ، وَلَا بِعَظَمَتِكَ مُسْتَخِفُّ، وَلَكِنْ بَلِيَّةٌ عَرَضَتْ لِي"، أي: شهوة صارت عندي، "وَغَرَّنِي سِتْرُكَ المُرْخَى عَلَيَّ". فأنا لا أستخف بعظمتك يا رب، ولا أنزلك عن مقامك. فمقامك محفوظ، وعظمتك في محلها. لكن أنا من زلقت قدمي، وراحت وراء الشهوة، وأنا أستغفرك يا رب.

فهذا يختلف عن أن تجعل ربك أهون الناظرين إليك، وأن تستخف برقابته عليك. لذلك عندنا في الروايات عقوبة تارك الصلاة أعظم من عقوبة الزاني. وليس معنى هذا: أن الزاني ليس له عقوبة. لا. لكن، الزنى – نعوذ بالله – فيه جهة شهوة، وتحريك للنفس. فالزاني يعلم أنه يعصي ربه، لكن خضع لشهوته. أما الصلاة فليس فيها هذه الشهوة، خلاف الزنا، ففيه بغض شهواني، يجعل الزاني يذهب وراءه، فيعاقب بلا إشكال. أما الصلاة فليس فيها هذا الجانب.

فإذا أحدهم ترك الصلاة، غالبا يتركها مستخفا بحق الله عز وجل. فلا أحد يعطيه أموالا على ترك الصلاة، ولا هو يستمتع جنسيا إذا ترك الصلاة، ولا يحصل على أكل جراء تركها، ولا غير ذلك. فهذا لم يتركها إلا لاستخفافه بها؛ لذلك عقوبته كانت أعظم.

"أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي مُعْرِضًا عَنْكَ فَقَلَيْتَنِي". القلى، يعني: الكره والبغض. أنت تبغض إنسانا، أي: تقلاه، ولا تحب جواره، ولا أن يتقرب إليك. وللإنسان العاصي - نعوذ بالله - مراحل. نقرأ قسما منها في دعاء الافتتاح،، والقسم الثاني، هنا: "إِنَّكَ تَدْعُونِي فَأُوَلِّي عَنْكَ وَتَتَحَبَّبُ إِلَيَّ فَأَتَبَغَّضُ مِنْكَ وَتَتَقَرَّبُ إِلَيَّ فَأَتَبَعَّدُ عَنْكَ"، وهذه هي المرحلة الأولى. وهي مرحلة سيئة ولكن ليست بخطورة المرحلة الثانية، التي تستمر مدة. فالله لا يبتعد عن الإنسان من أول يوم، بل يظل يدعوه. وليس من أول يوم يعصيه، يهمله ربه، وإنما يظل يحاول فيه، ويقربه، ويدنيه، ويستدعيه، ويقبل توبته، ويحاول توفيقه، إلى أن يصل إلى مرتبة ما، ذاك الوقت، يسقطه من حسابه، إذا استمر هذا الإنسان غير مبال لنداءات ربه، فيقول له: كم أنت عصيتني، فقط تعال وقل أستغفر الله، وتنتهي أمورك. تعال واجعل عينك تدمع، وتنتهي أمورك السابقة، تعال واجعل قلبك يخشع، ولا يحتاج الأمر أن تتكلم بكلمة، ثم أمورك مرتبة. مع ذلك، ذاك يستمر في غلوائه، وذاك الوقت يقول له الرب: أنا أبغضك، اذهب، وكلتك إلى نفسك. نعوذ بالله من هذه المرحلة. هنا يصبح: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ. قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا. قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ).

من العوامل أيضا، ما ذكره الدعاء: "أَوْ لَعَلَّكَ وَجَدْتَنِي فِي مَقَامِ الكَاذِبِينَ فَرَفَضْتَنِي"، فأولا، في مقام الكاذبين، المقام غير نفس الكاذبين. فالمقام الموضع، مثلا: عندنا "يخشى ربه"، و"يخاف ربه"، (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ). ويظهر من هذا شيء من الاختلاف. فمقام الكاذبين، هو مرة إنسان يكذب صراحة، ومرة يكون مقامه مقام الكاذبين، أي يدعي أنه عبد مثلا، وهو فرعون متجبر. فأين عبوديتك؟ أنت المفروض مقامك: مقام العبد، فلماذا تتجبر؟ لماذا تتنمر؟ لماذا تتكبر؟ فهذا المقام الذي أنت أقمت نفسك فيه، مقام كذب؛ لأن المفروض أنك عبد، وأنت تتعامل مع الآخرين كأنك جبار. مقام الكاذبين، هو عندما يأتي إلى إنسان من يقول له: أنا ليست لدي مصلحة، أنا أريد مصلحتك، أريد أنصحك. وهذا يكذب. هو يريد أن يحفر له حتى يسقط. فلو يرجع إلى نفسه، يجد أنه كاذب، ولا يريد مصلحة ذاك، بل يريد أن يفسد بين أخوين، أو بين زوجين، وأن هذا الكلام الذي قاله: أنا ليست لدي مصلحة، ولا عندي قصد، غير صحيح. فهو له مصلحة وعنده قصد، وقصدان، ليرجع إلى نفسه لير أن الأمر كذلك.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١٠

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة