٢٨ عوامل الكسل عن العبادة وفيها
كتابة الأخت الفاضلة أمجاد عبد العال
جاء في الدعاء المشهور والمعروف بدعاء أبي حمزة الثمالي، والمنقول عن سيدنا ومولانا زين العابدين، هذه الفقرة: "اللهُمَّ إِنِّي كُلَّمَا قُلْتُ قَدْ تَهَيَّأْتُ وَتَعَبَّأْتُ وَقُمْتُ لِلصَّلَاةِ بَيْنَ يَدَيْكَ وَنَاجَيْتُكَ، أَلْقَيْتَ عَلَيَّ نُعَاسًا إِذَا أَنَا صَلَّيْتُ، وَسَلَبْتَنِي مُنَاجَاتَكَ إِذَا أَنَا نَاجَيْتُ. مَالِي كُلَّمَا قُلْتُ قَدْ صَلُحَتْ سَرِيرَتِي، وَقَرُبَ مِنْ مَجَالِسِ التَّوَّابِينَ مَجْلِسِي عَرَضَتْ لِي بَلِيَّةٌ أَزَالَتْ قَدَمِي وَحَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ خِدْمَتِكَ سَيِّدِي. لَعَلَّكَ عَنْ بَابِكَ طَرَدْتَنِي، وَعَنْ خِدْمَتِكَ نَحَّيْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي مُسْتَخِّفًا بِحَقِكَ فَأَقْصَيْتَنِي أَوْ لَعَلَّكَ وَجَدْتَنِي فِي مَقَامِ الكَاذِبِينَ فَرَفَضْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي غَيْرَ شَاكِرٍ لِنَعْمَائِكَ فَحَرَمْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ فَقَدْتَنِي مِنْ مَجَالِسِ العُلَمَاءِ فَخَذَلْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي فِي الْغَافِلِينَ فَمِنْ رَحْمَتِكَ آيَسْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي آلَفُ مَجَالِسَ البَطَّالِينَ، فَبَيْنِي وَبَيْنَهُم خَلَّيْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ لَمْ تُحِبْ أَنْ تَسْمَعَ دُعَائِي فَبَاعَدْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ بِجُرْمِي وَجَرِيرَتِي كَافَيْتَنِي أَوْ لَعَلَّكَ بِقِلَّةِ حَيَائِي مِنْكَ جَازَيْتَنِي".
نفتتح بهذه الفقرات من دعاء أبي حمزة الثمالي حديثنا عن موضوع الكسل في العبادة. وهو أحد أنحاء تجلي هذه الصفة السيئة، والخلق الذميم. أعني به: الكسل. فبعد أن تحدثنا عن الكسل في أمر المعاش والارتزاق، وتحدثنا عن الكسل في طلب العلم والمعرفة، نتناول هذا اليوم شيئا من الحديث عن الكسل في العبادة.
في البداية نشير إلى أن هذا الدعاء قد رواه أحد الروات الثقات، والأصحاب الأجلاء، الذي شُبه في لسان الإمام الصادق (ع)، بأنه كسلمان في زمانه. ففي الحديث، عن الصادق (ع)، شبهه، أي شبه أبا حمزة بسلمان المحمدي، ومن المعروف رتبة سلمان في علمه وفي عمله. بينما شبهه الإمام الرضا (ع)، في حديث آخر، بأنه كلقمان في زمانه؛ وعلل ذلك بأنه: "وَذَلِكَ أَنَّهُ خَدَمَ مِنَّا أَرْبَعَةً": علي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر. أي: أدرك أربعة من الأئمة، وانتفع من علمهم، وأخذ من هداهم. وتوفي سنة ١٥٠ه. أي في بداية زمان إمامة الإمام الكاظم سلام الله عليه.
وكان على خط أهل البيت - كما هو معروف - ثلاثة من أبنائه، استشهدوا إلى جانب زيد بن علي بن الحسين، وهو الشهيد: زيد. فثلاثة من أبنائه، منهم: حمزة الذي يكنى به. وإلا فهو اسمه: ثابت بن دينار الثمالي، نسب إلى ثمالة، وهي منطقة في الكوفة. وابنه حمزة، بالإضافة إلى أخويه - أي أخوي حمزة - شاركا في نهضة الشهيد زيد بن علي بن الحسين، واستشهدوا معه. أي ثلاثتهم كانوا شهداء، إلى جانب الشهيد زيد، ابن الإمام زين العابدين. وهذا هو الراوي لهذه الرواية، لهذا الدعاء. وينقل الكثير من المؤرخين أحاديث بينهم وبين الإمام زين العابدين، بعضها يتصل بقضية كربلاء وما بعدها من القضايا، لكنا الآن لا نذهب بعيدا في شرحها.
أما هذا الدعاء، فهو من أنماط الأدعية التي سلكها الأئمة المعصومون (ع) في الجهر بها إلى الله، وتعليم أصحابهم إياها. والتي تحتوي بالإضافة إلى التضرع إلى الله والتعبد، على معارف دينية وأخلاقية، وهذا أحد أنحاء وأساليب الأئمة (ع) في بث المعرفة والوعي الديني. فالدعاء ليس عند الأئمة مجرد: يا رب اعطيني هذا، واصرف عني ذاك، وإنما بالإضافة إلى ذلك، هو معارف توحيدية، معارف أخلاقية، معارف دينية، وقد ذكر الذين تحدثوا عن أدعية الأئمة (ع)، هذا المعنى بشكل واضح. ومن ذلك، هذه الفقرة.
فالإمام (ع)، أولا يذكر حالة تعرض للإنسان، ويصفها أولا، ثم يذكر العوامل التي قد تسببها، وهي حالة: الكسل والفتور في العبادة، وعدم القيام بحق الله عز وجل، وهو الحق الأعظم. فإذا كان القرآن الكريم، يقول: (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، أي هدف خلقة الإنسان، وثمن خلقة الإنسان، وغاية خلقة الإنسان: هو أن ينشغل بالعبادة. والمراد بالعبادة هنا: معناها الشامل. فأحيانا ذهابك للعمل، مع أنك تكسب المال، إلا أنه عندما يكون بنية الاكتفاء والصرف على العيال، والتمتع بخيرات الله ونعمه، يكون عبادة. أي إذا كان نفس هذا السعي الدنيوي بهذه النية، يصبح عبادة.