ففي النص الأول، أن النبي (ص)، في خطبته، قال: "مَنْ اسْتَعَانَ بِنَا أَعَنَّاهُ، وَمَنْ اسْتَغْنَى أَغْنَاهُ اللهُ". فهذا لما سمع هذا الحديث، قال: الظاهر النبي لا يقصد إلا أنا، فسكت. في اليوم الثاني، نفس الأمر، نفس هذا الحديث، كأنما النبي لا يحفظ غيره. فعزم على أن لا يسأل رسول الله (ص)، وهذا في أحد النصوص.
في نص آخر، إنه: لا، طلب من النبي مساعدة، فقال له النبي: ماذا تملك؟ فقال: لا أملك شيئا غير مسح وقِعْد. المسح، يعني: الحصير المتداعي، وقِعْد، يعني: إناء أو ما شابه ذلك. فالنبي (ص) بناء على النقل الثاني - وقد تكون الحادثة متكررة ومتعددة، وقد تكون واحدة لكن منقولة بطريقين - قال له: هات المسح والقعد، فأتى بهم. فالنبي قال: من يشتري هذين بدرهمين؟ فواحد قال: أنا أشتريهما بدرهم. قال النبي: لا. واحد آخر، قال: لا بأس، أنا أشتريهما بدرهمين. فاشتراهما منه بدرهمين.
ثم النبي أعطلى الرجل – طالب المساعدة - درهما، وقال له: خذ هذا، واشتر لأهلك طعاما. وبالدرهم الآخر اشتر قدُّوم، أي: فأس. فذهب واشترى القدوم، وأعطى أهله الطعام، ثم قال له: اذهب واحتطب خارج المدينة، فثمة شجيرات، ولا تأتني إلا بعد ١٥ يوما.
في النقل، أنه ذهب واحتطب اليوم الأول، وباع الحطب في السوق، فحصل على درهم. اليوم الثاني: ضاعف الكمية، وهكذا، إلى أن جاء بعد ١٥ يوما، ومعه ١٠ دراهم. غير التي أكل بها خلال الأيام الخمسة عشرة. فهي ١٠ دراهم كان قد وفرها. فقال: يا رسول الله، هذا المقدار الذي بقي عندي. وأنا كنت آكل مع أهلي وأذهب لأبيع وأشتري وإلى آخره، فقال له: هذا خير أو أن تسأل وتأتي في يوم القيامة ونكتة بين عينيك. أي: هناك نكتة، إن أنت تمد يدك إلى زيد وعمر، مع أنه أنت عندك قدرة، وعندك إمكانية أن تكسب رزقك بنفسك.
وهذا تعليم، أنه: أحيانا شيء لا تحتاج أن تصرف عليه شيئا، ومع ذلك تكون أنت به مرزوقا. فالآن يتحدثون، حتى إذا تذهب على الانترنت وتبحث عن المشاريع التي قامت. فهذه النفايات، حاشا من يسمع، التي كلنا يريد أن يتخلص منها، البعض من العقلاء والمفكرين حولوها إلى ثروات.
نفس هذه النفايات التي أنا أرميها، وأستغث منها، ولا أرتاح إليها، هي هذه أموال. غيري يستطيع أن يحولها إلى رزق حسن. فالورق والزجاج والبلاستيك والمطاط والنايلون والأخشاب وما شابه ذلك، لما يجمعها، ويرتبها، ويعيد تدويرها، أو يبيعها إلى أهلها - وهناك مصانع الآن موجودة لهذا – فهذه من النفايات التي يخلق الإنسان منها أمواله، فما ظنك بغيرها! فالكسل عن أمر المعاش وطلب الرزق، من الأمور السيئة والأخلاق الذميمة.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن لا يبتلينا، ولا أن يبتلي المؤمنين به، وأن يجعلنا نشطين في أمر دنيانا، نشطين في أمر آخرتنا، إنه على كل شيء قدير. وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.