الكسل في أمر المعيشة ٢٨

الكسل في أمر المعيشة ٢٨
00:00 --:--

فالإمام الكاظم هنا يقول: قال أبي، يعني الصادق لبعض ولده، "إِيَّاكَ وَالْكَسَلُ وَالضَّجَرُ، فَإِنَّهُمَا يَمْنَعَانِكَ مِنْ حَظِّ الدُّنْيَا، وَالآخِرَةِ". وأما إذا وصل الكسل إلى حد الفراغ والنوم. كما هو عند قسم من الناس، فالحمد لله، ليس فيمن يسمعنا، وإنما نحن نتحدث بشكل عام. يقول الإمام الصادق (ع) في الخبر، "كَثْرَةُ النَّوْمِ"، باعتبار أنها علامة على الكسل، "مُذْهِبَةٌ لِلدِّينِ وَالدُّنْيَا". فدين الإنسان يذهب، لأنه مقترن بالنشاط، فحتى العبادات تحتاج إلى أحد مستيقظ، وإما آخر يغط في نومه. وهؤلاء الذين ينامون من الليل إلى اليوم الثاني، صلوات واجبة تفوتهم، فضلا عن المستحبات. "مُذْهِبَةٌ لِلدِّينِ وَالدُّنْيَا".

وفي حديث أيضا عن الإمام الكاظم: "إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ"، وهذه ليست كما يقول الإمام الباقر: "إِنِّي لَأُبْغِضُ"، لا، بل الله سبحانه وتعالى، يقول: "إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبْغِضُ الْعَبْدَ النَوَّامَ الفَارِغَ". كثير النوم، فارغ، ما عنده شغل، ولا عمل، لا جهد علمي، ولا جهد عملي، لا سعي في رزق، لا حركة في إصلاح. وإنما يقضي عمره في النوم والفراغ.

في مقابل هذا، نحن وجدنا كما ذم الدين، عبر هذه الروايات وأمثالها، الكسل وكثرة الفراغ وكثرة النوم. في المقابل، ندب وحبب إلى الحركة والسعي في أمر المعاش، وإلى أن لا يلقي الإنسان كله على غيره. وإنما يسعى ويطلب رزق الله عز وجل، وذلك في أحاديث كثيرة، نشير إلى بعضها.

نفس هذا المعنى، لاحظوا: التأكيد على التبكير في الاستيقاظ. لعل بعض الآباء لديهم مشكلة مع أبنائهم، وهي: أن الأب دائما يريد من ابنه أن يستيقظ مبكرا، لا سيما إذا كان هو من المستيقظين مبكرا. فكثيرا من الآباء يوفقون لأنه يظلوا مستيقظين، من قيامهم للصلاة، فلا يعاودوا النوم. فمن يرى منهم أن ابنه مثلا، إلى الساعة ٧، ٧:٣٠، أكثر، أقل، لا يزال نائما، لا يعود يرتاح إلى هذا الأمر. فيؤكد على موضوع التبكير. وبعض الأبناء، أحيانا، يقولون لك: أنا عملي الساعة السابعة، فلماذا أصحو الساعة السادسة؟ ولماذا أصحو الساعة ٥:٣٠؟ فكأنما الدين أراد أن يقول: حتى لو لم تكن مشغولا، بكر في الاستيقاظ. فضلا عما إذا كنت مشغولا.

فهناك قسم غيبي، نحن لا نعرفه، وهو أن الله سبحانه وتعالى - كما ورد في روايات كثيرة من الفريقين - جعل قسمة الأرزاق بين الطلوعين، بين طلوع الفجر، وطلوع الشمس. فهذه ماذا هي؟ وما هي كيفيتها؟ وما هي حقيقتها؟ وكيف يتم التقسيم؟ نحن لا نعلم. لكن نعلم أن هناك روايات كثيرة، وأن هذا المضمون - مضمون: التبكير - مما يترافق معه حسن الرزق. وهذا المضمون، مضمون يكاد يكون متواترا في روايات المسلمين.

وأما الذي نفهمه فإن كثيرا من قضايا الرزق، ترتبط بالنشاط. ولنفترض، إذا جلس الإنسان مبكرا، مع طلوع الشمس، فإنه من بداية يومه، يكون في أوج نشاطه، غير ذاك الذي دوامه الساعة ٧:٣٠، فيصحو الساعة ٧:١٠، وحتى وجهه لا يلحق على غسله، ولا ثوبه يلبسه على مهله، وسيارته طائرة، وكم من الإشارات يتجاوزها، من أجل أن لا يسجلون عليه مخالفة. وعقله طائر معه، إلى أين؟ إلى الدوام، حتى يصله أولا. فهذا لا يترافق مع حسن الرزق المفترض.

أحدهم كان يعلق تعليقا لطيفا، يقول: أنا أتعجب من بعض الناس الذين - مثلا - إلى الساعة الثامنة، لا يزال نائما، وفي عنوانه، أو حالته، في تويتر، والفيسبوك أو كذا، التي يسمونها البايو، يكتب: اللهم ارزقني قصرا في الجنة! نائم للساعة الثامنة، ويريد قصرا الجنة. فيعلق هذا عليه بقوله: أنت، إذا وجدت موقفا في الدوام، احمد ربك، وليس قصرا في الجنة. موقف لسيارتك الساعة الثامنة، لن تجد في الدائرة، في الدوام، أمام الدكان، فكيف بالقصر في الجنة.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٤

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة