الكسل في أمر المعيشة ٢٨

الكسل في أمر المعيشة ٢٨
00:00 --:--

٢٦ الكسل في أمر المعيشة

كتابة الأخت الفاضلة أمجاد عبد العال

ورد في الخبر عن أبي الحسن، موسى بن جعفر الكاظم، صلوات الله وسلامه عليه، أنه قال: "قَالَ أَبِي لِبَعْضِ وِلْدِهِ، إِيَّاكَ وَالْكَسَلُ وَالضَّجَرُ، فَإِنَّهُمَا يَمْنَعَانِكَ مِنْ حَظِّ الدُّنْيَا، وَالآخِرَةِ". صدق سيدنا ومولانا أبو الحسن موسى، وصدق والده جعفر بن محمد، صلوات الله وسلامه عليهما وعلى آبائهما وعلى أبناءهما.

حديثنا يتناول في هذا اليوم أحد الأمراض الأخلاقية والصفات الدنيئة، وهو موضوع: الكسل. الكسل عرفه علماء اللغة بأنه: التثاقل عن الشيء الذي يحسن الانبعاث إليه. فيتثاقل الإنسان عن أمر، المفروض أنه ينبعث إليه بالحركة، رزقه مثلا، يفترض أن ينبعث إليه بحركة وسعي، فيتكاسل عنه ويتثاقل. العلم، من الأمور التي يحسن الانبعاث إليها، فإذا تثاقل الإنسان عن طلب العلم والمعرفة، عد ذلك كسلا. العبادة والتوجه إلى الله عز وجل، من الأمور التي ينبغي أن ينبعث إليها الإنسان، وأن يتحرك في سبيلها، فإذا تثاقل المرء عنها، عد ذلك كسلا. وهكذا تحصيل الإخوان الصالحين في الله عز وجل، وإيجاد قاعدة اجتماعية مناسبة للإنسان، هذه من الأمور الحسنة التي ينبغي الانبعاث إليها، فإذا تثاقل الإنسان فيها، عد كسلا.

وبشكل عام، فإنهم عرفوا الكسل، بأنه: التثاقل عن شيء يحسن الانبعاث إليه. أما لو لم يكن يحسن الانبعاث إليه، مثلا: المعصية، فلو كسل الإنسان عن المعصية، وتثاقل عن الاستجابة لنداء الشهوة، فهذا أمر طيب، فهو كسل عما حرم الله.

فالكسل أُخِذ في مفهومه، أن يكون تثاقلا عن شيء يستحسن الانبعاث إليه، إما على نحو الوجوب، وإما على نحو الاستحباب. فالكسل بهذا المعنى، خصلة من الخصال السيئة في نظر الدين الإسلامي، وخلق من الأخلاق الذميمة، ومرض من الأمراض التي تعرض على النفس، فتضيع حقها، ليس في الدنيا فحسب، بل في الآخرة أيضا.

وهذا المعنى، تقبيح الكسل، ذم الكسل، تقريع الكسول، أمر مرتبط بالثقافة. وثقافة الإسلام، وفكره، وتوجيهاته، هي في اتجاه تقبيح هذه الخصلة، وذمها، والتقريع عليها، خلافا لما قد يوجد في بعض المجتمعات. ففي بعض المجتمعات، قد يكون الكسل ثقافة حسنة، وشيء طيب. وقسم من الناس حتى الآن، مع الأسف، عندما يريد أن يتمثل بالحياة الهنيئة، يقول لك: الحمد لله، أنا: أكل ونوم، مرتاح. الأموال عندي، وبالتالي لا أسعى في شيء، أصحو الصباح لآكل حتى أشبع، ثم أنام، وأنام حتى أشبع، ثم أصحو. وعلى هذا المعدل.

هذا مع أنه بعد مجيء الدين، وبعد تقبيح هذه الصفة، نجد هذا الأمر موجودا. وقد يكون هناك عذر، لما كان مثلا في زمان الجاهلية، إذ تمدح المرأة عندهم بالكسل، وفيها عبارات، فيقال: امرأة مكسال، وكسول. هذا يعني: أنها ممتازة جدا. أو نؤوم الضحى، يعني: التي تنام الفترة الضحوية، وهذه من صفات الحسن عندهم، والنعومة، واللطافة. وهذا كان ضمن هذا المعنى في زمان الجاهلية، فتلك مرحلة لها ثقافتها وأفكارها. أما بعدما علمنا ورأينا، ما الذي جاء به الدين من الحث على النشاط والحيوية، ومن ذم الكسل والتثاقل، فلا ينبغي أن يواطن الإنسان الكسل، أو أن يحب أن يمدح بأنه كسول، أو المرأة بأنها مكسال.

الناظر إلى الروايات، يجد شيئا كثيرا مما ورد في ذم الكسل وما يرتبط به. فالكسل بهذا المعنى، قد يبدأ من الكسل الفكري، وهو أن الإنسان حتى على مستوى التفكير، لا يحرك فكره. فلماذا نجد - مثلا - في القرآن الكريم، دعوات دائمة للنظر والتفكر والتأمل والتدبر؛ حتى لا يعيش هذا العقل الإنساني مرحلة الكسل، فيمر على الآيات، وهو عنها معرض، ويمر على الحوادث التاريخية وهو عنها ساه، ويمر على التجارب فلا ينتفع منها. فحتى على مستوى التفكير والتأمل واتخاذ الدروس والعبر، قسم من الناس، لا يحرك فكره. وقد يكون على مستوى البدن والعضلات والحركة الجسمية، كسولا أيضا.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٤

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة