فالتبكير في الأمر مطلوب: "بَارَكَ اللهُ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا". أي: عند التبكير. فهذه الأمة، إذا أبكرت، يتبين أنها أمية واعية، تنشر من الصباح في الأرض لطلب الرزق والعمل والنشاط. وهذا بالنسبة لنا - أيها الأحباب - أمر مهم. وفيه أيضا حديث مهم، عن نبينا المصطفى محمد (ص)، أنه قال: "إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُم الحَاجَةَ فَلْيُبَكِّرَ إِلَيْهَا. فَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُبَارِكَ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا". عندك مسألة معينة، وبين أن تذهب لها، الساعة ١١، وأن تذهب لها أول النهار. فالنبي يقول: أنا سألت الله أن يجعل الرزق والبركة عند التبكير، ولم أسأله أن يجعل ذلك في نهاية الوقت. وهذه أمور، قسم منها نفهما، وقسم منها أمور غيبية لا نفهمها.
ما يرتبط بالسعي والحركة والاغتراب، فقسم من الناس، يقول لك: أنا بحثت عن عمل، لكن لم أحصل عليه حتى الآن. يعني ماذا بحثت عن عمل؟ يعني: يريد مثلا عملا قريبا من البيت، في المنطقة، حتى إذا كانت فاتحة، يمكنه اللحاق بها، وإذا كانت قراءة، لا تفوته، وإذا جلسة شباب، يكون حاضرا فيها. وهذا لا يحصل.
بينما من يسعى في هذه الأرض، التي جعلت ذلولا، فامشوا في مناكبها، وكلوا من رزقي، آنئذ يحصل على هذا الأمر. حتى عندنا تعبير - وهو تعبير طريف - الاغتراب في طلب الرزق. فلا تطلب رزقك في بلدك فقط. فإن حصل في بلدك، وإلا اغترب وراءه. أشخص إلى الرزق يشخص إليك، اذهب إليه، اقصده، اقطع مسافة له، انتقل إلى منطقة أخرى.
ولنا في هؤلاء العمال بين أظهرنا مثلا. فالآن، في هذه البلد، بل في كل البلاد، تجد العامل الهندي، والباكستاني، والنيبالي والأندونيسي، وكذا، يعملون إلى ٨ ساعات، ١٠ ساعات. يأتون بالطائرة، يتركون عواطفهم ومشاعرهم وأقاربهم وزوجاتهم، وغير ذلك، من أجل أن يحصلوا على الرزق الذي يحسن حياتهم. فبالنسبة لنا أو لبعضنا أحيانا، أنه: إذا قطع مسافة بالسيارة لنصف ساعة، يستعظم هذا الأمر.
بينما في الرواية، عن الإمام الصادق (ع)، "إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَيُحِبُّ الاغْتِرَابَ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ". "لَيُحِبُّ"، فهناك "لَأُبْغِضُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَكُونَ كَسْلَانًا"، أما هنا، فيحب الاغتراب في طلب الرزق. فاذهب إلى مكان بعيد، أسبوعا وارجع، فلا بأس، وهذا من طلب الرزق، وهو محبوب من الله عز وجل. فلا يكون فكر الإنسان وبحثه عن رزقه في مجال عمل معين، وبمقاييس هو يريدها.
جاءني مرة أحدهم، وقال: الوضع كذا، وفلان كذا، وإلى آخره. وطلب مساعدة. ثم تعال: ابحث عن عمل، يقول: لم يحصل. وبعد شيء من التحقيق، تبين أن هذا الرجل، يريد رزقا بحيث لا يمنعه كل ليلة أن يأتيه صحبه، في الحي، ولا بد أن يجلس معهم، ويسامرهم، ويحضر مناسباتهم، والوفيات، والمواليد، وهذه كلها مطلوبة ومستحبة. ولكن إذا جعل الإنسان رزقه ومعاشه مبنيا عليها، فلا يحصل على المقاس الذي يريده. فإن الله ليحب الاغتراب في طلب الرزق. وقال أيضا: "اشْخَصْ، يَشْخَصُ الرِّزْقُ لَكَ"، أو "يَشْخَصُ لَكَ الرِّزْقُ".
فقسم من الناس، يقول: ليس هناك أعمال، ولا وظائف، ولا كذا. وهذا معناه - إذا صح – أنه لا بد أن تختم الحياة، أو نقول: أن الله سبحانه – والعياذ بالله – أخطأ في الحساب؛ لأنه المفروض منه، أنه خلق الخلق، وخلق معهم أرزاقهم. فإذا فرضنا ليس من رزق، ولا عمل، فلا بد أن تنتهي الحياة، وإلا في تقديرات الله هناك خطأ.
والحال أنه ليس هذا صحيحا. إنما كيف يحصل الإنسان على الرزق، ذلك في رواية تنقل بأكثر من تفصيل، وأنا أنقل مجملها، وقد حدثت في زمان نبينا المصطفى محمد (ص)، أحد النصوص يقول: أن رجلا أنصاريا جاء إلى رسول الله (ص)، وكان بباله بعد أن تزوج، أن يطلب مساعدة من رسول الله (ص) بعد أن ينتهي من خطبة الجمعة، فيقول له: أنا متزوج، وأحتاج إلى مساعدة.